جليل هاشم البكاء حين ننظر إلى الخطاب من زاوية البعد الغيبي، تتكشف أمامنا معادلة عميقة بين الغاية والوسيلة. فالغايات، مهما بدت عظيمة في ظاهرها، ليست سوى وسائل تقود إلى الغاية الكبرى: الله سبحانه وتعالى، غاية الغايات ومنتهى المقاصد. وكل غاية لا بد أن تنقلب في النهاية إلى وسيلة، وكل وسيلة ينبغي أن تكون خالصة لله. هنا بالضبط يتجلى سرّ الفساد والفشل؛ إذ إن الفاسدين حوّلوا الوسيلة إلى غاية، فانقلب الميزان، وابتعدوا عن ما أراده الله لعباده. ومن خلال مفهوم البعد الحتمي، يظهر الفرق الجوهري بين النجاح والفلاح. فالنجاح قد يناله الفاسد كما يناله الصالح، وقد يكون في حقيقته فشلاً مقنّعاً، أما الفلاح فلا يكون إلا لمن سار في طريق الحق. النجاح قد يلمع لحظة ثم يخبو، لكن الفلاح نورٌ ممتدّ لا ينطفئ. وكذلك الأمر في التمييز بين النصر والغلبة. فالغلبة قد تكون لأي طرف، مؤمناً كان أو غير مؤمن، لكنها مجرد تفوّق مؤقت. أما النصر، فلا يكون إلا من نصيب المؤمن، لأنه مرتبط بالحق لا بالقوة المجردة. النصر وعد إلهي، لا تحكمه موازين السلاح وحدها، بل تحكمه موازين الإيمان. وفي السياق نفسه، يوضح البعد الحتمي أن المؤمن لا يبدأ بالقتال، بل يجعل الدفاع واجبه الأول، ويقدّم الدفع بالتي هي أحسن ما استطاع. فإن سُدّت السبل، واضطر إلى المواجهة، خاضها غير باغٍ ولا معتدٍ، محافظاً على ميزان العدل والنية الخالصة. وهكذا يقودنا هذا البعد إلى اكتشاف حقيقة أخرى: أن الإرهاب لا يولد من رحم الدين، بل من رحم العنصرية والكراهية. فالإسلام أبعد ما يكون عن العنف الأعمى، إذ يدعو إلى الحكمة والموعظة الحسنة، وإلى الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن، وينهى عن القتل، ويحث على إحياء النفوس لا إزهاقها. وعند قراءة الأحداث الراهنة وما يرافقها من فوضى وفتن، يتضح ضعف القوى التي تقف خلف صناعة هذه الاضطرابات. فكل خطاب لا يجد طريقه إلى الناس إلا عبر الفتن هو خطاب ضعيف، يستمد قوته من إضعاف الآخرين لا من قوة ذاته. وعلى النقيض، يدعو الإسلام إلى التقوى وبناء الإنسان القوي، ويحضّ على الاعتصام بحبل الله، ويذمّ الفرقة والتشتت. هنا يكشف البعد الحتمي جوهر القوة الحقيقية، ويفضح زيف القوة المصطنعة. ويخبرنا هذا البعد أيضاً أن الزمان والمكان لم يعرفا فراغاً ولا توقفاً. فالأمم تتغير، والخطابات تتبدل، والأسماء والأساليب تتنوع، لكن الحق يبقى ثابتاً لا يتغير، في مقابل باطل متقلب يتلوّن حسب المصالح والظروف. ومن هنا تتضح أزمة خطاب أهل الباطل واقترابهم من الإفلاس الفكري. فهم في كل مرحلة يطرحون أسلوباً جديداً تحت شعار الحداثة والمواكبة، لكنهم في الحقيقة يمارسون المماطلة والمراوغة والهروب من مواجهة الحق. أما الإسلام، فما زال غنياً بعطائه، قوياً بجذوره، قادراً على الاستمرار والتجدد دون أن يفقد هويته. وبفضل الله، يكشف لنا البعد الحتمي أن الكفر في جوهره إخفاء لنعمة الحق. فالآخر ينفق على مناهج البحث في الفلسفة والمجتمع أضعاف ما ينفقه على الصناعات المدنية والعسكرية، ثم يبيع نتاج هذه الصناعات في الحروب والأزمات التي يصنعها بنفسه، ويفرض هيمنته عبر الإعلام والثقافة بما يمتلكه من أدوات السيطرة. لكن الإعلام بلا مصداقية لا يصمد طويلاً. والمصداقية هي تطابق الادعاء مع الواقع. ومن هنا يتضح أن خطاب المناسبات الدينية أقوى وأصدق من خطابات المؤسسات. فرغم ما قد يشوب أداء المسلمين من تقصير أو ضعف، يبقى خطاب الحج والصلاة والصيام، ومحرم وصفر، والطف وزيارة الأربعين، محتفظاً بقدسيته، لأنه من الله ولله. وكذلك الأحزاب والسلطات لا تنال مكانتها الحقيقية إلا بقدر اقترابها من الفيض الإلهي والتزامها بمسار الحق. |