طه حسن الاركوازي مع مطلع عام 2026 ، تقف إيران عند مُفترق بالغ الحساسية ، حيث تتقاطع الضغوط الدولية المُتصاعدة مع تحديات داخلية مُتراكمة في مشهد إقليمي لا يحتمل المزيد من الانفجارات المفتوحة ، عودة إدارة أمريكية تتبنى خطاب “الضغط الأقصى” أعادت إلى الواجهة سؤال التنازلات الممكنة ليس بوصفها تحولاً أستراتيجياً في سلوك طهران ، بل كخيار تكتيكي محسوب يهدف إلى إدارة المخاطر لا إنهائها ، وتأجيل الصِدام لا تفكيك أسبابه . في هذا السياق ، يبدو أن الملف النووي عاد ليُشكل المساحة الأكثر قابلية للمناورة ، فالتجربة الإيرانية خلال العقدين الماضيين تُظهر بوضوح أن هذا الملف كان دائماً أداة تفاوضية مرنة ، تشد أو ترخى وفق مُستوى التهديد الخارجي ، وحجم الحاجة الاقتصادية الداخلية ، الضغوط المالية الخانقة ، وتآكل القدرة الشرائية ، وتنامي السخط الاجتماعي ، جميعها عوامل تدفع صانع القرار الإيراني إلى البحث عن “تنفيس أقتصادي” دون المساس بجوهر معادلة الردع . المُعطيات المُتداولة في الكواليس الدبلوماسية تشير إلى أستعداد إيراني لإجراءات تقنية مدروسة من قبيل خفض مستويات تخصيب اليورانيوم من السقوف المُرتفعة التي أقتربت من العتبة الحساسة ، والعودة إلى نسب أقل لا تُثير مخاوف فورية من “الاختراق النووي” ، مثل هذا الإجراء لا يعني تخلياً عن القدرات المُكتسبة بقدر ما يمُثل تجميداً مؤقتاً لها ، مع الاحتفاظ بالبُنية التحتية ، والخبرة الفنية التي تُتيح إعادة رفع التخصيب عند الحاجة ، إنها براغماتية محسوبة لا تنازل وجودي . وفي الإطار ذاته تبدو طهران أكثر أستعداداً لتقديم ضمانات إضافية تتعلق بالرقابة الدولية بما في ذلك توسيع نطاق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، والقبول بآليات تفتيش أكثر صرامة ، أو إعادة تفعيل ترتيبات قانونية مجمّدة ، يُستخدم هنا كرسالة طمأنة سياسية قبل أن يكون التزاماً تقنياً دائماً الهدف الأساسي هو خلق مناخ يسمح بفتح ثغرة في جدار العقوبات لا إعادة صياغة العلاقة مع الغرب من جذورها . أما مسألة المخزون المُتراكم من اليورانيوم المُخصب ، فهي الأخرى تدخل ضمن منطق “الإدارة المؤقتة للأزمة” نقل جزء من هذا المخزون إلى دولة ثالثة أو وضعه تحت إشراف دولي خارج الحدود ، يُعد إجراءاً تكتيكياً يُخفف الضغط دون أن يُفقد إيران أوراقها التفاوضية ، فالتجربة السابقة أظهرت أن أستعادة هذه الأوراق تبقى مُمكنة متى ما تُغير السياق السياسي . في المقابل ، لا يمكن فصل هذه التنازلات التقنية عن السلوك الإقليمي الأوسع ، فإيران ، التي راكمت نفوذاً مُعقداً عبر شبكة من الحُلفاء والشُركاء في المنطقة ، تدرك أن أي تصعيد غير محسوب قد يفتح جبهات مُتعددة تستنزف قُدراتها في توقيت غير مناسب ، من هنا ، يُرجح أن تلجأ إلى تهدئة موضعية ومُؤقتة في بعض الساحات ، ليس كتحول في العقيدة الإقليمية ، بل كإشارة سياسية تهدف إلى تقليل أحتمالات المُواجهة المُباشرة وشراء الوقت التفاوضي . القبول بإطار إقليمي أوسع ، تُشارك فيه دول تمتلك قنوات تواصل مع مختلف الأطراف ، يُمكن قراءته أيضاً ضمن هذا السياق ، فإشراك أطراف إقليمية بصفة ضامنة أو مُسهلة لا يعني بالضرورة تدويل القرار الإيراني ، بقدر ما يعكس رغبة في توزيع كُلفة التفاهمات ، وخلق شبكة أمان سياسية تقي المنطقة من الانزلاق إلى صِدام شامل. مع ذلك ، تبقى هناك خطوط واضحة لا يبدو أن طهران مُستعدة لتجاوزها ، فالبرنامج الصاروخي ، على سبيل المثال يُنظر إليه في العقل الاستراتيجي الإيراني بوصفه ركيزة الردع الأخيرة ، خاصة في ظل التفوق الجوي والتكنولوجي لخصومها ، إن إدخاله في أي صفقة شاملة يُعد من وجهة نظرها مُخاطرة تمس جوهر الأمن القومي ، وكذلك الحال فيما يتعلق بمبدأ التخصيب نفسه ، حيث تصر إيران على أعتباره حقاً سيادياً غير قابل للتصفير ، حتى لو جرى تقييده أو تنظيمه . من زاوية عراقية وإقليمية ، تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة ، فأستقرار المنطقة لا يتحقق عبر كسر إرادات أو فرض حلول قصوى ، بل من خلال تسويات تدريجية تُراعي توازن المصالح والهواجس ، لذا على النُخب السياسية في المنطقة ، وخصوصاً في الدول المُتأثرة مُباشرة بتداعيات أي تصعيد ، أن تقرأ هذه التحركات بواقعية ، بعيداً عن منطق الاصطفاف الحاد أو الرهان على الانهيارات المفاجئة . أخيراً .. أن إيران في هذه المرحلة لا تسعى إلى تسوية تاريخية شاملة ، بل إلى إدارة أزمة مُعقدة بأدوات تكتيكية ، يكون الملف النووي فيها مساحة للتنازل المحسوب مُقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية ، إنها سياسة تقوم على كسب الوقت ، وحماية بنية النظام ، ومنع الانفجار الداخلي ، مع الإبقاء على عناصر القوة الأساسية خارج دائرة المقايضة ، قراءة هذا المشهد بهدوء ومسؤولية تتيح للنُخب السياسية أستخلاص دروس مُهمة حول قيمة الدبلوماسية المُتأنية ، وأهمية تجنب سياسات الحافة التي غالباً ما تدفع ثمنها شعوب المنطقة قبل غيرها …! |