يوسف جاسم السامرائي تشهد العلاقات العراقية-الكويتية في مطلع عام 2026 فصلاً جديداً من التوتر الدبلوماسي، الذي لم يعد حبيس الغرف المغلقة، بل انتقل ليكون مادة دسمة لـ «إعلام الأزمات». هذا التوتر، الناجم عن ملف ترسيم الحدود البحرية وما يُعرف بـ «حرب الخرائط» لدى الأمم المتحدة، يطرح تساؤلات جوهرية حول دور الخطاب الإعلامي في تأجيج أو احتواء النزاعات الحدودية. ثنائية السيادة والمظلومية الجغرافية يرتكز الخطاب الإعلامي في البلدين على استراتيجيتين متناقضتين؛ فبينما يتبنى الإعلام الكويتي «خطاب الشرعية الدولية»، مستنداً إلى القرار الأممي (833) واتفاقية خور عبد الله، يركز الإعلام العراقي على مفهوم «المظلومية الجغرافية» وضيق المنفذ البحري. هذا التباين خلق فجوة في الإدراك الشعبي، حيث يتم تصوير أي إجراء فني أو قانوني من جانب بغداد على أنه «استهداف للسيادة» في الصحافة الكويتية، بينما يصوره الإعلام العراقي كـ «استعادة لحقوق تاريخية» ضاعت في ظروف استثنائية. التحريض الرقمي وتزييف الوعي لا يمكن قراءة هذه الأزمة بمعزل عن «الذباب الإلكتروني» ومنصات التواصل الاجتماعي التي تجاوزت الخطاب الرسمي الهادئ. لقد تحولت منصات (X) وتيك توك إلى ساحات حرب افتراضية، حيث يتم استدعاء ذاكرة الغزو الأليم أو التشكيك في نزاهة لجان الترسيم الفنية. هذا «الضجيج الرقمي» يضغط بوضوح على صانع القرار في البلدين، مما يجعل من تقديم أي تنازلات فنية «انتحاراً سياسياً» أمام جمهور مشحون عاطفياً. الأبعاد الاقتصادية: صراع الموانئ خلف الستار القانوني، يبرز «إعلام المصالح الاقتصادية». فالصراع اليوم هو صراع على النفوذ التجاري في شمال الخليج؛ حيث يرى المحللون أن التوتر الحالي يرتبط طردياً مع تقدم الأعمال في «ميناء الفاو الكبير» و»طريق التنمية» العراقي مقابل «ميناء مبارك الكبير» الكويتي. الإعلام هنا لا ينقل الخبر فحسب، بل يصوغ معادلة ربح وخسارة تجعل من ترسيم الحدود معركة وجودية اقتصادية. الخلاصة: مسؤولية الإعلام المهني إن استمرار «التحشيد الإعلامي» المتبادل في عام 2026 ينذر بتحويل نزاع فني قانوني إلى قطيعة اجتماعية وسياسية. إن الدور المطلوب من المؤسسات الإعلامية الرصينة هو الانتقال من «صحافة الإثارة» إلى «صحافة الحلول»، عبر تسليط الضوء على فرص التكامل الاقتصادي والربط السككي التي يمكن أن تحول الخليج من ساحة نزاع على مياه إقليمية إلى جسر يربط الشرق بالغرب. |