طه حسن الاركوازي تُعد فلسفة التغيير السلمي واحدة من أكثر المقاربات عمقاً في فهم تحولات المجتمعات واستقرار الدول ، إذ لا تقوم على موازين القوة المادية وحدها ، بل على إعادة تعريف مفهوم القوة ذاته بوصفه قدرة على ضبط الصراع وتوجيهه نحو البناء لا الهدم ، وإذا كانت التجارب الحديثة قد أعادت إبراز هذا المفهوم ، فإن جذوره الفكرية والحضارية أقدم بكثير ، حيث نجد ملامحه واضحة في التجربة الإسلامية الأولى التي أسست لمعادلة دقيقة بين السلطة والأخلاق . لقد رسّخ الرسول الأعظم محمد ( ص ) نموذجاً مُتقدماً في إدارة الصراع يقوم على ضبط أستخدام القوة ، وتغليب منطق العفو والمصلحة العامة ، بما جعل بناء الدولة قائماً على الشرعية والعدالة لا على منطق الانتقام ، وفي الامتداد الطبيعي لهذا النهج ، قدم الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) رؤية أخلاقية للحكم تُعد من أكثر النصوص السياسية تقدماً في تاريخ الفكر الإنساني ، حيث أسس في عهده لمالك الأشتر لمبادئ كرامة الإنسان وصيانة الحقوق ، واضعاً السلطة في إطارها الوظيفي بوصفها أداة لإقامة العدل لا وسيلة للهيمنة . إن هذه المدرسة تُمثل ما يمكن تسميته اليوم بالقوة المعيارية ، أي القدرة على تحقيق الاستقرار عبر العدالة والشرعية ، وهو المفهوم ذاته الذي ستعيد التجارب الحديثة صياغته بلغتها السياسية المعاصرة . وفي هذا السياق ، تبرز فلسفة المهاتما غاندي بوصفها تجسيداً عملياً لفكرة نقل الصراع إلى ميدان لا يمتلك فيه الخصم تفوقاً ، حيث أثبتت تجربة الاستقلال الهندي أن الوعي الجمعي المُنضبط ، والامتناع المدني قادران على شل أنظمة الهيمنة مهما أمتلكت من أدوات قسرية لم تكن قوة غاندي في مواجهة الإمبراطورية البريطانية قوة سلاح ، بل قوة معنى ، إذ تحولت الأخلاق إلى أداة ضغط أستراتيجية جعلت أستمرار السيطرة عبئاً سياسياً وأخلاقياً على المستعمر . أما تجربة نيلسون مانديلا فقد أضافت بعداً آخر يتمثل في إدارة مرحلة ما بعد الصراع ، حيث أدرك أن إسقاط نظام التمييز العنصري لا يكتمل دون تفكيك البنية النفسية للعداء ، فأختار المصالحة الوطنية طريقاً لبناء دولة تتجاوز ثنائية الغالب والمغلوب ، لقد كان إدراكه عميقاً بأن العنف قد يحقق نصراً آنياً ، لكنه يزرع بذور صراعات لاحقة ، بينما التسامح المؤسسي يفتح الطريق لاستقرار طويل الأمد . إن هذه التجارب مُجتمعة تعيد تعريف القوة بوصفها قدرة على بناء التماسك الداخلي ، لا مجرد أمتلاك أدوات الردع ، فالدولة التي تمتلك مجتمعاً واعياً ومؤسسات فاعلة تجعل أي تهديد خارجي أو داخلي فاقداً لبيئته الحاضنة ، ومن هنا ، فإن السيادة الحقيقية لا تُقاس فقط بسلامة الحدود ، بل بجودة الحياة ، وسيادة القانون ، وكفاءة إدارة الخلافات ضمن أطر سلمية . وفي السياق الإقليمي ، وبخاصة في العراق الذي يسعى إلى تجاوز تركات عقود من الاضطراب ، تتجلى أهمية تبني خطاب الاعتدال بوصفه خياراً أستراتيجياً لا خطاباً أخلاقياً مُجرداً ، فالمواجهة التي تخشاها الفوضى حقاً ليست المواجهة العسكرية ، بل نجاح مشروع الدولة في بناء مؤسسات قوية، وتحقيق تنمية مستدامة، وترسيخ هوية وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات الضيقة. إن المجتمع المتماسك هو الحصن الأكثر صلابة، لأنه يسحب من الأزمات قدرتها على التحول إلى صراعات وجودية. إن النخب السياسية والفكرية مدعوة اليوم إلى تبني دور “المهندس الاجتماعي” الذي يعيد ترميم الثقة بين الدولة والمجتمع ، ويؤسس لثقافة سياسية قائمة على التنافس في خدمة الصالح العام لا في إدارة الانقسامات ، فالقوة الأخلاقية ليست خطاباً مثالياً ، بل مورد أستراتيجي يُعزز الشرعية ، ويمنح القرار السياسي عُمقاً وأستدامة . لقد أثبت التاريخ أن الالتزام بالقانون الدولي والدبلوماسية الهادئة ، وبناء المصالح المشتركة يمنح الدول قدرة أكبر على حماية مصالحها مُقارنة بسياسات التصعيد ، لأن العنف بطبيعته قصير الأثر ، بينما الاستقرار الناتج عن التنمية والعدالة طويل الأمد ، إن تحويل الطاقات البشرية من وقود للصراعات إلى محركات للإنتاج والمعرفة هو جوهر أي مشروع وطني ناجح . أخيراً وليس آخراً .. تكشف تجارب التاريخ من مدرسة النبوة والولاية إلى حركات التحرر الحديثة ، أن القوة الحقيقية تكمن في ضبط النفس ، والقدرة على أبتكار أدوات مواجهة حضارية . إن منهج “اللاعنف المؤسساتي” القائم على سيادة القانون ، وأحترام الحقوق ، وترسيخ العدالة الاجتماعية يُمثل الطريق الأكثر أماناً لبناء أوطان مُستقرة لا تُدار بالخوف بل بالثقة ، فالوطن الذي يُبنى بالعقول والعدالة والتنمية هو وحده القادر على تحقيق أنتصار دائم ، أنتصار لا تلاحقه ندوب الدم ولا تهدده دورات الانتقام ، بل يحميه وعي المجتمع ، وصلابة مؤسساته ، وهو المعنى الأعمق لموازين القوة الأخلاقية في عالم تتغير فيه أدوات الصراع ، لكن تبقى القيم الراسخة هي الضامن الحقيقي لاستدامة الأوطان …! |