طه حسن الأركوازي في لحظات التحول الكبرى لا تُقاس أهمية الأحداث بحجم الضجيج الذي يرافقها ، بل بُقدرتها على إعادة تشكيل التوازنات بهدوء ومن دون إعلان صريح عن نهاياتها ، هذا الوصف ينطبق إلى حدٍ بعيد على الجولة التمهيدية المُحتملة من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران التي أستضافتها سلطنة عُمان ، والتي بدت في ظاهرها خطوة إجرائية محدودة ، لكنها تحمل في عُمقها مُؤشرات على مُحاولة مُتبادلة لإعادة فتح مسار سياسي أُغلق طويلاً تحت وطأة التصعيد وانعدام الثقة . تأتي هذه التحركات في سياق إقليمي شديد التعقيد تتداخل فيه الملفات النووية والأمنية والأقتصادية مع توترات عسكرية مُتقطعة وحسابات ردع مُتبادلة ، وفي مثل هذا المناخ يصبح أي مسعى للحوار حتى وإن كان أولياً أو أستطلاعياً ، رسالة سياسية بحد ذاته مفادها أن كُلفة الاستمرار في القطيعة قد بدأت تتجاوز كُلفة أختبار إمكانات التفاهم . تشير المُعطيات المُتداولة إلى أن مسقط عادت لتؤدي دورها التقليدي كقناة تواصل هادئة ، تُتيح للطرفين تبادل الأفكار من دون ضغوط إعلامية أو التزامات مُسبقة ، هذا الدور ليس جديداً على الدبلوماسية العُمانية ، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الوساطات المُعقدة ، خصوصاً في الملف ( الأميركي – الإيراني ) ، مُستندة إلى علاقات مُتوازنة مع مختلف الأطراف . جوهر الطرح المطروح في هذه المرحلة يتمحور حول البحث في إطار عام لإدارة البرنامج النووي الإيراني مُقابل مُقاربة تدريجية لرفع العقوبات ، غير أن هذا المسار يصطدم بتباين واضح في أولويات الطرفين ، فواشنطن تنطلق من رؤية أوسع تعتبر أن أي تفاهم مُستدام يجب أن يشمل إلى جانب الملف النووي منظومة الصواريخ الباليستية والدور الإقليمي لإيران ، بوصفهما عُنصرين رئيسيين في مُعادلة الأمن الإقليمي . في المقابل ، تتمسك طهران بحصر النقاش في البُعد النووي أنطلاقاً من قناعة راسخة بأن توسيع جدول الأعمال سيُحول المُفاوضات إلى عملية مفتوحة بلا سقوف زمنية أو ضمانات واضحة . هذا التباين لا يعني بالضرورة أنسداد الأفق ، لكنه يكشف عن طبيعة المرحلة الحالية بوصفها مرحلة أختبار نوايا أكثر من كونها مرحلة تفاوض تفصيلي ، فالجولات التمهيدية عادة ما تركز على تبادل التصورات ، وأستكشاف الخطوط الحمراء ، وتقدير هامش المُناورة السياسي لدى كل طرف تمهيداً لبناء أرضية مشتركة يمكن الانطلاق منها لاحقاً . في هذا السياق ، يكتسب عرض الخطة الأولية التي قدمها وزير الخارجية الإيراني لنظيره العُماني أهمية خاصة ، ليس من زاوية مضمونها التفصيلي فحسب ، بل من حيث كُونها تعكس رغبة في الانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة تنظيمها ضمن مسار سياسي ، إحالة هذه الخطة إلى الجانب الأميركي ومُراجعتها من قبل الوفد المُشارك تشير إلى وجود حد أدنى من الجدية في التعامل مع الطرح ، حتى وإن بقيت نتائجه العملية رهناً بتطورات لاحقة . من زاوية أخرى ، تبدو هذه التحركات مدفوعة بهاجس مشترك يتمثل في تفادي الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة ، فالتجارب السابقة أثبتت أن أي تصعيد مُباشر بين واشنطن وطهران لا يبقى محصوراً بينهما ، بل يمتد سريعاً إلى ساحات إقليمية مُتعددة ما يُضاعف كُلفة الصراع ويعقّد فرص أحتوائه ، وعليه فإن البحث عن “حُزمة تهدئة” أو “تفاهمات مرحلية” قد يكون الخيار الأكثر واقعية في المدى المنظور . اللافت في هذه الجولة أنها تجري في ظل إدراك مُتزايد لدى القوى الإقليمية بأن أستمرار الاستقطاب الحاد يُضعف قُدرة دول المنطقة على التركيز على أولوياتها الداخلية ، سواء كانت أقتصادية أو تنموية أو اجتماعية ، ومن هنا يُمكن قراءة هذه المفاوضات بوصفها جُزءاً من محاولة أوسع لإعادة ترتيب الأولويات ولو بصورة تدريجية وبطيئة . بالنسبة للعراق ، تكتسب هذه التطورات بُعداً خاصاً ، فالعراق يقع جُغرافياً وسياسياً في قلب التفاعلات ( الأميركية – الإيرانية) ، وغالباً ما يدفع أثمان التوتر بين الطرفين على شكل ضغوط سياسية أو أرتدادات أمنية أو تعقيدات أقتصادية ، أي مسار تهدئة بين واشنطن وطهران يفتح ، نظرياً نافذة أمام بغداد لتوسيع هامش حركتها ، وبناء مُقاربة أكثر توازناً في علاقاتها الخارجية . غير أن تحويل هذه النافذة إلى فرصة حقيقية يتطلب من النُخب السياسية العراقية قراءة المشهد بواقعية وبراغماتية بعيداً عن منطق الرهان الأحادي أو الاصطفاف المسبق ، المرحلة المقبلة على الأرجح ستشهد تذبذباً في الإشارات بين التصعيد والتهدئة ، وبين رسائل إيجابية وأخرى سلبية ، وهو ما يستدعي خِطاباً عراقياً هادئاً يرُكز على تثبيت مصلحة الدولة بوصفها أولوية عليا . كما أن التطورات الجارية تذكّر بأهمية أمتلاك رؤية وطنية واضحة لإدارة السياسة الخارجية ، قائمة على مبدأ التوازن ، وبناء الشراكات المُتعددة لا على الاكتفاء بردود الأفعال . فالعراق ، بحكُم موقعه وإمكاناته قادر على أن يكون جزءاً من منظومة أستقرار إقليمي إذا ما توفرت له الإرادة السياسية والأدوات المؤسسية اللازمة . |