طه حسن الأركوازي تدار الصراعات الكبرى اليوم بعقول باردة أكثر مما تُحسم بصواريخ ساخنة ، وفي قلب هذا التحول تقف المُواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ، وإيران من جهة أخرى ، بوصفها ساحة أختبار لنموذج جديد من الحروب ، حيث تتراجع المُواجهة المُباشرة لصالح شبكات مُعقدة من النفوذ ، والعمليات غير المعلنة ، وإدارة التصعيد ضمن حدود محسوبة بدقة قابلة للاختزال في إطار الحرب التقليدية أو الصِدام المُباشر ، فما يجري اليوم أقرب إلى صراع مُتعدد الأبعاد تتداخل فيه الأدوات الصلبة مع أدوات أكثر تعقيداً ، حيث تتقدم الحسابات الاستخبارية ، والحرب السيبرانية ، وإدارة الإدراك على مشهد المواجهة . إنها معركة تُدار بقدر كبير من الغموض ، ويقودها في كثير من الأحيان ما يمكن وصفهم بـ”صُناع الظل”. ضمن هذا السياق ، تبرز شخصيات عسكرية وأمنية إيرانية لا تتصدر المشهد الإعلامي بقدر ما تُؤثر في عُمق القرار الاستراتيجي ، ويأتي في مُقدمة هؤلاء الجنرال “أحمد وحيدي” الذي يُمثل نموذجاً لقيادة تشكلت خبرتها في بيئات صراعية مُعقدة مُنذ الحرب “العراقية-الإيرانية” وصولاً إلى إدارة ملفات أمنية وعسكرية مُتشابكة في الإقليم لا يمكن قراءة الجنرال “وحيدي” كشخصية مُنفصلة ، بل كجزء من منظومة مُؤسساتية مُتداخلة تمزج بين البُعد العسكري والأمني والسياسي ، وتعمل وفق رؤية تراكمية طويلة الأمد . في هذا الإطار ، يُشار إلى ما يُعرف داخل بعض الأوساط العسكرية الإيرانية بفريق “قلب الأسد”، بوصفه أحد الأطر العملياتية التي تُعنى بإدارة المُواجهات غير التقليدية ، سواء في مناطق حساسة مثل الخليج العربي ، أو في الفضاءات الجوية المُرتبطة بالأمن الداخلي ، هذا النوع من التشكيلات لا يعمل وفق النمط الكلاسيكي للجيوش ، بل يعتمد على المرونة ، وسرعة الانتشار ، والقدرة على العمل في بيئات ضبابية تتداخل فيها الرسائل العسكرية مع الأبعاد السياسية . إلى جانب الجنرال”وحيدي” ، يبرز اسم العميد “مجيد موسوي” ، المُرتبط بقيادة القوة الجوفضائية في الحرس الثوري ، وهو موقع يعكس أهمية البُعد الصاروخي والجوي في العقيدة الدفاعية الإيرانية ، تشير تقديرات مراكز دراسات أستراتيجية إلى أن هذا الذراع يُمثل أحد أعمدة الردع الإيرانية ليس فقط من خلال القُدرات التقنية ، بل عبر إدارة بنك أهداف إقليمي يتسم بدرجة عالية من الحساسية ، ورغم الخطاب التصعيدي الذي يظهر أحياناً في التصريحات المنسوبة إلى هذه القيادات ، إلا أن سلوكها الفعلي غالباً ما يبقى محكوماً بحسابات دقيقة تتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة . كما يبرز دور الجنرال” إسماعيل قآني” الذي كان يشغل فيلق القدس بعد أستشهاد الجنرال “قاسم سليماني” واليوم يتولى مهام تنسيقية مُعقدة على مُستوى الساحات الإقليمية ، خصوصاً في ما يتعلق بربط الجبهات غير المُباشرة ، ويعكس هذا الدور طبيعة الاستراتيجية الإيرانية القائمة على توسيع نطاق التأثير عبر شبكات مُتعددة ، بدلاً من التركيز على المُواجهة المُباشرة ، هذا النمط من العمل يُظهر قدرة على أستثمار التعقيدات المحلية والإقليمية ، وتحويلها إلى أدوات ضغط ضمن معادلة أوسع . غير أن فهم هذه الأدوار لا يكتمل دون النظر إلى التحول الأعمق في طبيعة الصراع ، فالحرب لم تعد تُخاض فقط في الميدان ، بل أنتقلت إلى مُستويات أكثر تعقيداً ، حيث تتقدم “معركة العقول” على غيرها من أدوات المواجهة ، في هذا السياق ، تتبنى إيران ما يُمكن وصفه بـ”الأمن الطبقي المُركب” وهو نموذج يقوم على تقليل الانكشاف ، وتوزيع مراكز القرار ، وتعزيز اللامركزية ، بما يُصعب على الخصم بناء صورة أستخبارية دقيقة . في المقابل ، تعتمد إسرائيل والولايات المتحدة على أدوات مُختلفة لكسر هذه المُعادلة أهمها “تكثيف الحرب النفسية والإعلامية” ، وأستخدام ما يُعرف بـ”الاستفزاز المعلوماتي”، عبر تسريبات وتصريحات تهدف إلى دفع الطرف الآخر لكشف أوراقه ، وبين هذين النهجين ، تتشكل مُعادلة دقيقة يصبح فيها إخفاء المعلومات أو إظهارها أداة أستراتيجية بحد ذاتها لا تقل أهمية عن أستخدام القوة العسكرية . ورغم هذا التعقيد ، لا يمُكن تجاهل حقيقة أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً كبيراً ، مدعوماً بشبكة واسعة من التحالفات الإقليمية والدولية ، ما يمنحها قدرة مُستمرة على التأثير في مسار الصراع ، كما أن إسرائيل ، بخبرتها الطويلة في العمل الاستخباري والعمليات النوعية ، تظل قادرة على تحقيق أختراقات مُؤثرة في بعض المراحل . إلا أن السمة الأبرز للمرحلة الحالية تتمثل في غياب الرغبة لدى جميع الأطراف في الذهاب نحو مواجهة شاملة ، فالكُلفة المُتوقعة لمثل هذا السيناريو ، سواء على مستوى أستقرار المنطقة أو الاقتصاد العالمي ، تجعل من خيار الحرب المفتوحة أداة ضغط أكثر منه هدفاً فعلياً .ومن هنا ، تتقدم مُقاربة “إدارة الصراع” على حساب حسمه ، في مشهد يتسم بتصعيد محسوب يُقابله حرص واضح على عدم تجاوز خطوط معينة . هذا التوازن الدقيق يُنتج سلوكاً يبدو مُتناقضاً ظاهرياً : ضربات محدودة ، ورسائل نارية ، يقابلها ضبط للإيقاع ، وكأن الأطراف جميعها تُدير مواجهة تحت سقف غير معلن . إنها لعبة توازن مُعقدة ، يدرك فيها كُل طرف أن أي خطأ في الحساب قد يقود إلى تداعيات يصعب أحتواؤها . |