الدكتور الحقوقي احمد سعدون الدراجي
في أوقات الأزمات الاقتصادية، تتجلى حقيقة المجتمعات من خلال سلوك أفرادها ومؤسساتها، إذ يُفترض أن تسود قيم التكافل والتضامن لمواجهة التحديات المشتركة. إلا أن الواقع يكشف عن ممارسات سلبية يقوم بها بعض التجار، تتمثل في استغلال تلك الأزمات لتحقيق مكاسب غير مشروعة، عبر رفع الأسعار واحتكار السلع الأساسية، في سلوك يتنافى مع أبسط المبادئ الأخلاقية والقانونية. إن هذه الممارسات تُعد إخلالًا واضحًا بقواعد السوق العادلة، حيث يلجأ بعض التجار إلى تخزين السلع وخلق شُحٍّ مصطنع بهدف رفع الأسعار، مستغلين حاجة المواطنين، خاصة من ذوي الدخل المحدود. كما قد يلجأ البعض إلى التلاعب بجودة السلع أو تقليل كمياتها مع الحفاظ على السعر ذاته، وهو ما يشكل نوعًا من الغش التجاري الذي يعاقب عليه القانون. ومن الناحية القانونية، فإن التشريعات العراقية لم تغفل عن معالجة مثل هذه الظواهر، حيث نصت القوانين ذات العلاقة، ومنها قانون حماية المستهلك وقانون المنافسة ومنع الاحتكار، على ضرورة منع الممارسات الاحتكارية وضبط الأسعار ومنع الغلاء غير المبرر. كما منحت الجهات الرقابية صلاحيات واسعة لمتابعة الأسواق، وضبط المخالفين، وإحالتهم إلى القضاء لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم. ولا تقتصر المسؤولية على الجهات الحكومية فحسب، بل تمتد لتشمل التاجر نفسه بوصفه جزءًا من النسيج الاجتماعي، حيث يُفترض أن يتحلى بروح المسؤولية، وأن يوازن بين تحقيق الربح المشروع والمحافظة على استقرار السوق. كما يقع على عاتق المستهلك دور مهم في مواجهة هذه الظاهرة، من خلال تعزيز ثقافة الوعي الاستهلاكي، والإبلاغ عن حالات الاستغلال، وعدم الانجرار وراء الشائعات التي تُسهم في تفاقم الأزمات. إن استغلال الأزمات الاقتصادية لا يُعد مجرد مخالفة قانونية، بل هو انتهاك لقيم العدالة الاجتماعية، ويُسهم في تعميق الفجوة بين طبقات المجتمع. ومن هنا، فإن مواجهته تتطلب تفعيل الدور الرقابي، وتشديد العقوبات، ونشر الوعي المجتمعي، بما يضمن حماية المواطن والحفاظ على استقرار الأسواق. وفي الختام، تبقى الأزمات اختبارًا حقيقيًا للضمير الإنساني، فإما أن تكون فرصة للتكاتف وبناء الثقة، أو بابًا للفوضى والاستغلال. والاختيار هنا لا يُحدد فقط مستقبل الاقتصاد، بل يرسم ملامح المجتمع بأكمله.
|