الشيخ قاسم عبد مردان لم تعد المعادلات العسكرية في المنطقة كما كانت، ولم تعد التقديرات التي استقرّت في أذهان الخصوم حول محدودية القدرات الإيرانية صالحةً بعد اليوم. فكل الحسابات التي بُنيت على افتراض ضعف الأداء أو محدودية الإمكانات قد تهاوت أمام واقعٍ مختلف، فرضته إيران عبر نهجٍ يقوم على المباغتة المحكمة، والردّ الذكي، والاستعداد المتدرّج. إنّ ما أظهرته إيران في المواجهات الأخيرة يعكس عقيدةً عسكريةً متماسكة، تتكئ على التخطيط بعيد المدى، وتُحسن توظيف الأدوات القتالية وفق نسقٍ تصاعدي مدروس. ويمكن الوقوف عند أبرز ملامح هذا الأداء كما يأتي: 1. تنوّع أدوات الدفاع والتكيّف العملياتي لم يقتصر التصدي للتهديدات الجوية على الوسائل التقليدية، بل اتجه—بحسب ما يُتداول—نحو توظيف أدوات تقنية متقدمة، بما يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الحرب الإلكترونية والتكامل الدفاعي في ميدان القتال الحديث. 2. إدارة الصراع الصاروخي بذكاء مرحلي اعتمدت إيران على منظومات صاروخية متعددة، جرى استخدامها ضمن تسلسل مدروس، يهدف إلى استنزاف قدرات الخصم وإرباك حساباته الدفاعية، وهو نهج يُعدّ من صميم الاستراتيجيات العسكرية المعاصرة. 3. دقّة اختيار الأهداف تشير طبيعة الأهداف المُستهدفة—وفق التحليلات—إلى تركيزٍ على مواقع ذات أهمية استراتيجية، في محاولةٍ واضحة لفرض معادلات ردع جديدة، تجمع بين التأثير العسكري والرسائل السياسية. 4. تصاعد دور الطائرات المسيّرة أثبتت الطائرات بدون طيار حضورها كعنصرٍ حاسم في الحروب الحديثة، وقد أظهرت إيران تطورًا ملحوظًا في هذا المجال، سواء من حيث المرونة التشغيلية أو الكلفة أو الكثافة العددية. 5. الغموض كأداة ردع تعتمد إيران، كسائر القوى العسكرية، على إبقاء جزءٍ من قدراتها طيّ الكتمان، وهو ما يُعرف بـالغموض الاستراتيجي، بهدف تعزيز الردع وترك مساحةٍ مفتوحة أمام المفاجأة. خلاصة المشهد تُثبت إيران أنها قوة عسكرية لا يُستهان بها في محيطها الإقليمي، وأنها استطاعت بفعل التراكم والخبرة أن تفرض نفسها طرفًا فاعلًا في معادلات القوة. غيــــر أن الحكم المطلق بأنها “الأقوى” يبقى رهين مــــــعايير متعددة، تشمل التكنولوجيا، والاقتـــــصاد، والتحالفات، والقدرة على إدارة الصراعات طويلة الأمد. |