طه حسن الاركوازي في أعقاب تطورات مُفاجئة تزامنت مع أجواء التفاوض ، عادت مشاهد الضربات الاستباقية لتفرض نفسها على المشهد الإقليمي ، لتجد المنطقة نفسها مجدداً أمام لحظة دقيقة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع المسارات السياسية ضمن بيئة دولية تتسم بدرجة عالية من السيولة وعدم اليقين ، فالتوتر المُتصاعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ، وإيران من جهة أخرى ، لا يبدو أنعكاساً مُباشراً لاقتراب مواجهة شاملة بقدر ما يعكس صراع إرادات يُدار وفق قواعد ضبط أستراتيجي دقيقة ، وفي هذا السياق لم تعد القوة العسكرية تُستخدم بوصفها أداة حسم نهائي ، بل تحوّلت إلى وسيلة لإدارة التوازنات وإعادة رسم حدود الاشتباك بما يحد من مخاطر الانزلاق إلى حرب واسعة لا يرغب أي طرف في تحمّل كلفتها المفتوحة . المشهد الراهن يُظهر نمطاً متكرراً في الصراعات المُعاصرة ، حيث تتجاور الضربات المحدودة مع رسائل ردع محسوبة ، وتترافق التحركات الميدانية مع قنوات تفاوض غير مباشرة ، هذا التداخل بين المسارين يعكس إدراكاً مُتبادلاً بأن إدارة المخاطر باتت أولوية تتقدم على منطق الحسم العسكري ، خصوصاً في ظل تشابك المصالح الدولية ، وتأثير أي مواجهة واسعة على أستقرار الطاقة والتجارة العالمية ، ومن هنا يمكن فهم كثافة التسريبات والتحليلات التي تناولتها وسائل إعلام دولية مثل BBC وPolitico ، والتي تشير إلى نقاشات داخل دوائر القرار حول كيفية أستخدام الضغط المحدود لتهيئة بيئة تفاوضية أكثر ملاءمة . ففي حال أتجهت إيران إلى توسيع نطاق ردّها عبر أستهداف مواقع وقواعد مرتبطة بالوجود العسكري لـ الولايات المتحدة في عدد من الدول العربية والخليجية مثل “الكويت والسعودية وقطر والبحرين والإمارات والأردن” ، بالتوازي مع أستمرار الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة بأتجاه العمق في إسرائيل ، فإن مسار الصراع مُرشح لأن يأخذ منحى مُختلفاً أكثر أتساعاً وتعقيداً ، عندها لن يعود ميزان المواجهة محكوماً فقط بقدرات التفوق الجوي أو البحري ، بل بقدرة الأطراف على تحمّل كلفة أتساع رقُعة الاشتباك سياسياً وأقتصادياً وأمنياً، وهو ما قد يمنح طهران أدوات ضغط إضافية على المدى القصير ، لكنه في المقابل يرفع أحتمالات أتساع نطاق الصراع وتحوله إلى مُعادلة إقليمية أكثر تعقيداً . القراءة الاستراتيجية لهذه التطورات تشير إلى أن ميزان القوى لم يعد يُقاس فقط بحجم الترسانات أو التفوق التقني ، بل بقدرة الأطراف على التحكم بإيقاع التصعيد ، فإسرائيل تواصل أعتماد مبدأ الضربات الوقائية للحفاظ على تفوقها الأمني ، بينما تستند إيران إلى مفهوم الردع المُتبادل وتوسيع هامش المناورة عبر شبكة من أدوات النفوذ غير المباشر ، وبين هذين المنهجين تتشكل معادلة توازن دقيقة تجعل كُل خطوة تصعيدية محكومة بحسابات الكلفة السياسية والاقتصادية وردود الفعل الدولية ، وهو ما يُفسر بقاء الصراع ضمن مستوى “الظل” رغم حدّة الخطاب المتبادل . أقتصادياً ، تُظهر التقديرات المُتداولة ومنها ما نشرته Bloomberg ، أن المواجهات المحدودة تترك آثاراً مالية ملموسة تتجاوز الأضرار المُباشرة لتشمل تراجع الاستثمارات ، وأرتفاع كُلفة التأمين ، وإعادة بناء القدرات الدفاعية ، وهذه المُؤشرات تُعزز فكرة أن الحروب الحديثة تُقاس بنتائجها الاقتصادية بقدر ما تُقاس بنتائجها الميدانية ، ما يجعل الاستقرار النسبي هدفاً مشتركاً حتى بين الخصوم . إقليمياً ، يتجاوز التوتر طبيعته الثنائية ليؤثر في منظومة الأمن الإقليمي ، حيث تتداخل ملفات الممرات البحرية ، وأسواق الطاقة مع حسابات النفوذ الجيوسياسي ، وفي هذا السياق يصبح أي تصعيد واسع عاملاً ضاغطاً على الدول الواقعة ضمن نطاق التأثير المُباشر وغير المُباشر للصراع ، وفي مُقدمتها العراق الذي يجد نفسه بحُكم موقعه الجغرافي وتوازناته الداخلية أكثر عرضة لأرتدادات الأزمات الإقليمية . العراق ، في ظل هذه المعادلة ، ليس طرفاً مُباشراً في الصراع بقدر ما هو ساحة تتقاطع عندها مصالح مُتعددة ، وهو ما يفرض تبنّي مقاربة واقعية تقوم على تحييد البلاد قدر الإمكان عن مسارات التصعيد ، وتعزيز منطق الدولة القادرة على إدارة علاقاتها الإقليمية وفق مبدأ التوازن لا الاصطفاف ، فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تفادي الانعكاسات الأمنية ، بل في حماية الاستقرار الاقتصادي ومنع تحوّل التوترات الخارجية إلى عوامل ضغط داخلية . إن القراءة الهادئة لمسار الأحداث تقود إلى أستنتاج مفاده أن المنطقة تعيش مرحلة إدارة صراع لا مرحلة حسمه ، وأن مفهوم “توازن الردع” سيظل الإطار الحاكم للمشهد في المدى المنظور ما لم تحدث تحولات جوهرية في بنية النظام الإقليمي ، فالقوة هُنا لا تُقاس بقدرة طرف على إلحاق الهزيمة بخصمه ، بل بقدرته على منع الانفجار الشامل والحفاظ على مساحة تفاوض مفتوحة مهما ارتفع منسوب التوتر . في ضوء ذلك تبدو الحاجة ملحّة أمام صناع القرار في العراق لأعتماد سياسة خارجية أكثر أتزاناً تستند إلى قراءة دقيقة لمُعادلات القوة وتبتعد عن ردود الفعل الانفعالية ، فالموقع الجيوسياسي للبلاد يمنحها فرصة للعب دور توازني بنّاء ، لكنه في الوقت نفسه يحمّلها مسؤولية مضاعفة في حماية سيادتها واستقرارها الداخلي . ختاماً .. إن صراع الظل الدائر اليوم لا يُقاس بضجيج التصريحات بقدر ما يُقاس بقدرة الأطراف على إبقائه ضمن حدود السيطرة. وإدارة المخاطر ، لا أستعراض القوة ، هي العامل الحاسم في رسم ملامح المرحلة المقبلة . أما بالنسبة للعراق ، فإن الحكمة الاستراتيجية تقتضي تحويل موقعه من مساحة تأثر بالأزمات إلى مساحة توازن ، عبر رؤية وطنية تضع مصلحة الدولة فوق كل اعتبار، وتتعامل مع التحولات الإقليمية بعقلانية تحمي الحاضر ، وتؤمّن المستقبل …! |