قاسم الغراوي في الذكرى السابعة والأربعين لانتصار الثورة الإسلامية في إيران، لا يمكن مقاربة التجربة بوصفها حدثاً تاريخياً منتهياً، بل كمسار صراعي مفتوح تشكّل تحت ضغط حصار قاسٍ وتهديدات دائمة وحروب مباشرة وغير مباشرة. سبعة وأربعون عاماً كانت كافية لاختبار قدرة أي ثورة على البقاء، ناهيك عن التحول إلى لاعب إقليمي مؤثّر في نظام دولي معادٍ. منذ اللحظة الأولى، وُضعت الجمهورية الإسلامية في مرمى الاستهداف من حصار اقتصادي، عزل سياسي، حرب مدمّرة مع العراق (1980–1988)، محاولات إسقاط داخلي، وعقوبات متصاعدة بلغت ذروتها في استهداف لقمة العيش والتكنولوجيا والقطاع المالي. التحدي الأكبر لم يكن فقط البقاء، بل بناء دولة حديثة خارج منظومة التبعية الغربية، وهو رهان نادر في عالم ما بعد الحرب الباردة. ما الذي واجهته؟ أبرز الأزمات تمثّلت في الحرب الطويلة التي استنزفت الموارد وأخّرت التنمية، ثم العقوبات التي قيّدت الاقتصاد وخلقت أزمات تضخّم وبطالة وضغط اجتماعي، إضافة إلى تحديات داخلية تتعلق بالإدارة، والحوكمة، وتوازن العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتطلعات الأجيال الجديدة. كما واجهت إيران تهديدات أمنية متواصلة، من اغتيالات علمائها إلى هجمات سيبرانية واستهداف نفوذها الإقليمي. ما الذي حققته؟ رغم ذلك، حققت الثورة إنجازات يصعب إنكارها. على مستوى السيادة، نجحت إيران في الحفاظ على استقلال قرارها السياسي، ورفضت التحول إلى دولة تابعة. اما علمياً وتقنياً، قفزت في مجالات حساسة كالصناعات الدفاعية، والطاقة النووية السلمية، والفضاء، والطب، والنانوتكنولوجي، في ظل حصار خانق. عسكرياً، بنت قدرة ردع جعلت كلفة الحرب عليها مرتفعة، وأسهمت في إعادة رسم معادلات القوة في الإقليم. اجتماعياً ، توسّع التعليم، وتكوّنت طبقة علمية واسعة، وتراجعت الأمية بشكل كبير مقارنة بمرحلة ما قبل الثورة. أما إقليمياً، فقد تحولت إيران إلى فاعل مركزي في قضايا المنطقة، سواء اتُّفق معها أم اختلف، ونجحت في كسر احتكار النفوذ الغربي في الشرق الأوسط، وفرضت نفسها طرفاً لا يمكن تجاوزه. وما الذي لم تحققه؟ في المقابل، لم تنجح الثورة حتى الآن في تحقيق نموذج اقتصادي مزدهر ومستقر يوازي إنجازاتها السياسية والأمنية بيبب الحصار الظالم . اذ لا يزال الاقتصاد هشاً أمام العقوبات، ويعاني المواطن الإيراني من ضغوط معيشية حقيقية مع كون الحكومة تعتمد على امكانياتها الذاتية في الصناعة والغذاء ومتطلبات الحياة الاخرى . كما أن فجوة الثقة بين بعض شرائح المجتمع والدولة تمثل تحدياً بنيوياً، خاصة مع تغيّر تطلعات الشباب وتسارع التحولات الثقافية ومع هذا وقف الشعب مع نظامه السياسي ضد الاعتداء الصهيوني في حرب الاثنا عشر يوماً. كذلك، بقيت إشكالية العلاقة مع النظام الدولي قائمة، دون اختراق يرفع كلفة الحصار عن الداخل لثبات مواقف جمهورية ايران الاسلامية والدفاع عن وجودها واستقلالها . بعد سبعة وأربعين عاماً، تبدو الثورة الإسلامية الإيرانية تجربة صمود قبل أن تكون تجربة رفاه. حيث نجحت في ما فشلت فيه دول كثيرة ؛ البقاء، وبناء القوة، وفرض الإرادة تحت النار. لكنها في الوقت نفسه ما زالت أمام امتحان الداخل فالاقتصاد، والعملاء والموساد وتجديد العقد بين الدولة والمجتمع والتحديات الامنية بين ما تحقق وما لم يتحقق، تبقى الثورة الإيرانية حالة استثنائية في تاريخ الثورات المعاصرة، لأنها لم تُهزم، ولم تنتهِ، ولم تتحوّل إلى ذكرى. |