جليل هاشم البكاء لا يمكن لأي قوة خارجية، مهما بلغت من الجبروت والنفوذ، أن تُحكم سيطرتها على البلاد والعباد إلا عبر ثغرتين قاتلتين في الجسد الوطني: خيانة الداخل وضعف الحكم. فالتاريخ، قديمه وحديثه، يثبت أن الاحتلال لا يدخل من الأبواب العالية، بل يتسلل من الشقوق التي يصنعها خونة يغدرون بمن يرفض ويقاوم، أو حاكم ضعيف وفاسد يحرص على نفسه وكرسيه أكثر من حرصه على الوطن والناس. القوى الأجنبية لا تنجح بقوتها الذاتية وحدها، بل بقدرتها على استغلال من يقدمون المصلحة الخاصة على العامة. هؤلاء يشكلون الجسر الذي تعبر عليه المشاريع القذرة، ويمنحون الشرعية الزائفة للتدخل، ويحولون الخلافات الداخلية إلى أدوات تمزيق، ويغلفون الخيانة بشعارات براقة عن الإصلاح أو الاستقرار أو الواقعية السياسية. الخائن لا يولد فجأة، بل يُصنع حين تُكسر القيم وتُشترى الذمم ويُسوَّق الخوف كحكمة. وحين يُكافأ الغدر وتُهمَّش الكفاءة، يصبح الوطن سوقاً مفتوحاً للمساومات. أما الحاكم الضعيف، فضعفه لا يقف عند عجزه عن حماية السيادة، بل يمتد إلى تحويل الدولة إلى رهينة، يفاوض بها على بقائه، ويستبدل الكرامة بالأمان الشخصي، ويُغرق المؤسسات بالفساد لتصبح غير قادرة على المقاومة. تعتمد السيطرة بالأساليب القذرة على تفكيك الوعي قبل تفكيك الحدود. تُضخ الأكاذيب، تُزرع الشكوك، يُحرَّف التاريخ، ويُستهدف كل صوت حر بالتشويه أو الإقصاء. تُدار الفوضى بذكاء، ويُستثمر الانقسام، وتُستدعى العصبيات لتغطي على جوهر الصراع: صراع السيادة مقابل التبعية. في مواجهة ذلك، لا يكفي رفع الشعارات، بل لا بد من بناء مناعة وطنية أساسها حكم رشيد، وعدالة، ومؤسسات قوية، وإعلام مسؤول، وثقافة عامة تجرّم الخيانة وتفضح الفساد. فحين تتقدم المصلحة العامة، وتُحمى الكرامة، ويُحاسَب المقصر، تفقد القوى الخارجية أدواتها، ويُغلق الباب الذي تدخل منه. السيطرة لا تُهزم بالقوة وحدها، بل بوعيٍ يرفض أن يكون جسراً، وبحكمٍ لا يقايض الوطن على كرسي، وبشعبٍ يدرك أن أخطر عدو ليس القادم من وراء الحدود، بل من يفتح له الطريق من الداخل. |