ابراهيم المحجوب تشرفتُ بدعوتي من قبل الاتحاد الدولي الأكاديمي العربي لحضور المحاضرة الموسومة بعنوان: ”الطاقة المتجددة والمستديمة… مالها وما عليها” والتي ألقاها الأستاذ الدكتور وكاع فرمان محمد العزاوي، وقدّمها الأستاذ الدكتور خلف كنعان الجبوري، بحضور نخبة من الأساتذة والباحثين والمهتمين بالشأن العلمي. ورغم عدم تمكني من الحضور بسبب الحالة الصحية، إلا أنني تابعتُ مجريات المحاضرة باهتمام بالغ، لما تحمله من أهمية علمية وواقعية تمس حاضرنا ومستقبلنا، وهو ما أتاح لي الوقوف على أبرز محاورها وأفكارها التي تستحق التأمل والنقاش. منذ اللحظة الأولى لانطلاق المحاضرة، بدا واضحًا أن الحديث لا يقتصر على الطاقة بوصفها موردًا تقنيًا أو اقتصاديًا، بل يتجاوز ذلك ليكون حديثًا عن مستقبل وطن، وعن رؤية علمية تحاول أن تضع حلولًا واقعية لتحديات متراكمة. فقد تناول المحاضر مفهوم الطاقة المتجددة بوصفها خيارًا استراتيجيًا، لا ترفًا فكريًا، في ظل ما يشهده العالم من تحولات مناخية واقتصادية متسارعة. لقد عرض الدكتور وگاع العزاوي محاور متعددة، بدءًا من تعريف الطاقة المتجددة وأنواعها، كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مرورًا بإمكانيات توظيفها في العراق، ولا سيما في محافظة نينوى التي تمتلك مقومات طبيعية وبشرية تؤهلها لأن تكون رائدة في هذا المجال. كما لم يغفل التحديات التي تواجه هذا التحول، من ضعف البنية التحتية، وقلة الدعم المؤسسي، والحاجة إلى تشريعات واضحة تدعم الاستثمار في هذا القطاع الحيوي. غير أن ما لفت الانتباه أكثر من غيره، هو الحضور العلمي المتميز الذي شهدته هذه الفعالية، والذي يعكس حجم الكفاءات العلمية التي تزخر بها نينوى، تلك المحافظة التي عانت كثيرًا من ويلات الحروب، لكنها لم تفقد روحها العلمية ولا إرثها الثقافي. فبين الحضور، نجد أساتذة جامعات، وباحثين شباب، وطلبة دراسات عليا، جميعهم يحملون شغف المعرفة، وإصرارًا على إعادة بناء ما تهدم، ليس بالحجارة فحسب، بل بالفكر والعلم. إن الحديث عن الكفاءة العلمية في نينوى ليس حديثًا عابرًا، بل هو استحضار لتاريخ طويل من العطاء العلمي. فمنذ تأسيس جامعة الموصل، كانت هذه المؤسسة منارة علمية خرّجت آلاف الكفاءات في مختلف التخصصات، وأسهمت في بناء مؤسسات الدولة العراقية. وعلى الرغم مما تعرضت له الجامعة من دمار خلال السنوات الماضية، إلا أن إرادة الحياة والعلم كانت أقوى، فعادت لتنهض من جديد، وتستأنف دورها في إعداد جيل واعٍ ومثقف. إن الكفاءات العلمية في نينوى اليوم تقف أمام تحدٍ مزدوج: الأول هو مواكبة التطور العلمي العالمي، والثاني هو تلبية احتياجات المجتمع المحلي. وهذا يتطلب بيئة داعمة، تبدأ من المؤسسات التعليمية، ولا تنتهي عند صناع القرار. فالعلم لا يمكن أن يزدهر في فراغ، بل يحتاج إلى رعاية حقيقية، واستثمار جاد في العقول قبل الموارد. ولعل ما يميز الكفاءات النينوية هو قدرتها على التكيف مع الظروف الصعبة، وتحويل التحديات إلى فرص. فقد أثبت العديد من الباحثين من أبناء هذه المحافظة قدرتهم على التميز في المحافل العلمية الدولية، رغم محدودية الإمكانيات. وهذا ما يجعلنا نؤمن بأن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأمثل للنهوض بأي مجتمع. إن محاضرة كهذه لا ينبغي أن تكون حدثًا عابرًا، بل يجب أن تكون نقطة انطلاق لسلسلة من الفعاليات العلمية التي تعزز ثقافة البحث والتفكير، وتفتح آفاقًا جديدة أمام الشباب. كما أن على المؤسسات الأكاديمية أن تتبنى مثل هذه المبادرات، وأن تعمل على ربط الجانب النظري بالتطبيق العملي، بما يخدم التنمية المستدامة في المحافظة. وفي الختام، يمكن القول إن نينوى لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار بنيتها التحتية، بل تحتاج قبل ذلك إلى إعادة الاعتبار لعقولها، وإلى دعم كفاءاتها العلمية، وتمكينها من أداء دورها في بناء المستقبل. فالعلم هو الطاقة الحقيقية التي لا تنضب، وهو السبيل الوحيد لتحقيق التنمية والاستقرار. وإذا كانت الطاقة المتجددة هي أمل العالم في الغد، فإن العقول المتجددة في نينوى هي أمل العراق بأسره.
|