امين السكافي في لحظات الحروب الكبرى، تُختبر الدول لا بقدرتها على الصمود العسكري فقط، بل بصلابة قرارها السياسي. غير أن المشهد في لبنان اليوم يبدو خارج هذا المنطق، وكأننا أمام حالة استثنائية من “التسول السياسي” على أبواب التفاوض، حيث يتحول وقف إطلاق النار من حق سيادي وإنساني إلى ورقة تفاوض تُدفع أثمانها مسبقًا بالدم والخراب. هذا الشبق غير المعهود للذهاب إلى مفاوضات تحت النار مع العدو الإسرائيلي يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة القرار الرسمي اللبناني. فبدل أن يكون وقف العدوان مدخلًا لأي مسار سياسي، يجري القبول ضمنيًا باستمرار شلال الدم والتدمير، بانتظار “فرصة تفاوضية” قد تفتح الباب أمام مطالب إسرائيلية لا سقف لها. وهنا المفارقة الصادمة: كأن بعض أركان السلطة لا يرون في الحرب كارثة يجب إنهاؤها فورًا، بل فرصة لإعادة صياغة التوازنات الداخلية عبر بوابة الخارج. ولعل الأكثر مرارة أن هذا الواقع يدفع البعض للترحم على حقبة أمين الجميل ورئيس حكومته شفيق الوزان، رغم أنهما شكّلا الغطاء السياسي لاتفاقية اتفاقية 17 أيار المشؤومة. تلك الاتفاقية التي وُلدت ميتة، قبل أن تُطلق عليها رصاصة الرحمة في انتفاضة 6 شباط 1984، حين أسقطها الشارع اللبناني وإرادة المقاومة. المفارقة هنا ليست في تمجيد تلك المرحلة، بل في الإشارة إلى حجم الانحدار الحالي، حيث باتت بعض الطروحات اليوم أكثر خطورة ووضوحًا في استهدافها للثوابت الوطنية. على المستوى الإقليمي، تضغط الولايات المتحدة على إسرائيل لوقف إطلاق النار في لبنان، مدعومة برغبة دولية واسعة لا تريد تكرار نموذج غزة في الجنوب اللبناني. غير أن الرد الإسرائيلي، وعلى لسان بنيامين نتنياهو، يأتي كاشفًا لطبيعة الرهان: السلطة في لبنان – بحسب الرواية الإسرائيلية – لا تريد وقفًا للنار عبر المسار غير المباشر (إيران – أميركا)، بل تفضّل وقفًا يأتي نتيجة مفاوضات، ولو تأخر، ولو دُفع ثمنه مزيدًا من الدماء. هذا الطرح، إن صح، يضع لبنان أمام معادلة خطيرة: استمرار الحرب ليس فشلًا سياسيًا، بل أداة ضغط للوصول إلى طاولة التفاوض. وهو ما يتقاطع تمامًا مع مصلحة الكيان، الذي لا يجد سببًا لوقف الحرب مجانًا، طالما يمكنه تحويلها إلى رافعة لفرض شروطه، وفي مقدمتها: مفاوضات مباشرة مع لبنان، تعهد رسمي بنزع سلاح المقاومة، والسير نحو اتفاقية سلام أو تطبيع تحت ضغط النار. الأكثر غرابة في هذا المشهد أن شرط وقف إطلاق النار، الذي طرحته إيران كمدخل لأي مفاوضات، يُقابل برفض لبناني ضمني، تحت عنوان “السيادة على القرار التفاوضي”، حتى لو كلف ذلك البلاد مزيدًا من الدماء، ومغامرة مفتوحة قد تقود إلى سيناريوهات لا تُحمد عقباها، وليس أقلها إعادة إنتاج مشهد 6 شباط بشكل أكثر تعقيدًا وخطورة. صراحة، يصعب إيجاد تفسير منطقي لهذا الموقف الرسمي اللبناني، إلا إذا وضعناه في إطار هدفين أساسيين يبدوان وكأنهما يحكمان سلوك السلطة منذ وصولها: أولًا، الدفع نحو مفاوضات مع الكيان قد تفضي إلى اتفاقية سلام أو تطبيع، وثانيًا، العمل على نزع سلاح المقاومة كأولوية داخلية، بغض النظر عن الكلفة الوطنية والاستراتيجية. في الخلاصة، التفاوض في ذاته ليس مذمومًا كأداة سياسية، لكنه يصبح كذلك حين يُفرض خلافًا لإرادة غالبية اللبنانيين، وحين يتحول إلى مشروع فتنوي يُدار تحت النار، وتُدفع أثمانه من دماء الناس ووحدة البلاد. عندها، لا يعود التفاوض خيارًا سياديًا، بل سقوطًا مدويًا في امتحان التاريخ. |