قاسم الغراوي (الاصلاح الاقتصادي الذي لايمس جيوب المسؤولين ليس اصلاحا بل عملية سطو مقنعة؛ فالهدف ليس انقاذ البلاد بل حماية الفاسدين عبر تحميل فاتورة فسادهم على الضعفاء ،واستخدام المصطلحات الاقتصادية مجرد واجهة لاستمرار النهب ) في كل أزمة مالية تضرب العراق، يتكرر المشهد ذاته خطاب رسمي يتحدث عن “الإصلاح”، وبيانات تبرر “الإجراءات الضرورية”، ثم تمتد اليد سريعاً إلى جيب المواطن ، حيث ترتفع الرسوم، وتتوسع الجباية، كما تُفرض ضرائب جديدة أو تُفعَّل قديمة، بينما تبقى رواتب وامتيازات الرئاسات والوزراء والنواب وكبار المسؤولين خارج دائرة المساس. العراق ليس بلداً فقيراً، بل بلد أُدير بثقافة الريع والامتياز من اقتصاد يعتمد على النفط بنسبة ساحقة، وعند أول هزة في الأسعار تنكشف هشاشة الإدارة فبدل أن يُعاد النظر في بنية الإنفاق العليا، في الامتيازات، في الرواتب الفلكية، في شبكات الهدر، يُقدَّم المواطن باعتباره “الممول الأخير” لعجز الدولة. في بلد يعاني من بطالة مرتفعة، وتراجع في الخدمات، وقطاع خاص هش، تتكدس المخصصات في قمة الهرم السياسي. راتب أساسي مرتفع، مخصصات متعددة، حمايات، سيارات، سفر، تقاعد خاص… وكل ذلك يُبرر تحت عنوان “استحقاقات المنصب”. المنصب خدمة عامة، لا امتياز دائم. والدولة التي تعجز عن ضمان كهرباء مستقرة أو نظام صحي متكامل، لا يمكنها أخلاقياً أن تبرر فجوة هائلة بين دخل المواطن ودخل المسؤول. المشكلة ليست فقط في الأرقام، بل في الرسالة السياسية وهي أن التقشف واجب على الناس… لا على السلطة. فلماذا الجباية تكون بديلا عن المحاسبة عندما تضيق الموارد، وتمتلك الحكومة خيارات صعبة وهي إعادة هيكلة الإنفاق، تقليص الامتيازات العليا، محاسبة الهدر، أو اللجوء إلى الجباية السريعة. الأسهل دائماً هو الخيار الأخير. فرض رسوم، توسيع الضرائب، تشديد التحصيل ، لكن هذه السياسة لها ثمن مباشر وهو انخفاض القدرة الشرائية وركود في الأسواق وضغط على المشاريع الصغيرة وكذلك توسع في الاقتصاد غير الرسمي هرباً من العبء الضريبي. وفي النهاية، يتحمل المواطن كلفة أزمة لم يصنعها، وفساد لم يشارك فيه، وإدارة لم يكن شريكاً في قراراتها. ان الخطر الحقيقي ليس في العجز المالي، بل في العجز الأخلاقي فحين يرى الناس أن “الإصلاح” لا يقترب من امتيازات القمة، تتآكل الثقة. وعندما تتآكل الثقة، يفقد أي إجراء اقتصادي مشروعيته الاجتماعية. الإصلاح الانتقائي أخطر من الأزمة نفسها، لأنه يكرّس شعوراً بأن الدولة تحمي مصالحها أولاً، ثم تطالب المجتمع بالتضحية .فلماذا لا تُمسّ الرواتب العليا؟ لأنها جزء من معادلة النفوذ السياسي. لأن الامتياز أصبح أداة توازن داخل نظام قائم على المحاصصة ولأن تقليصها يعني كسر تقليد سياسي راسخ يقوم على أن المنصب مكافأة، لا مسؤولية. ان أي نظام لا يعيد تعريف السلطة بوصفها خدمة، سيبقى يعيد إنتاج الأزمات نفسها. واما الإصلاح الحقيقي فيبدأ من الأعلى قبل الأسفل ، يبدأ بوضع سقف عادل لرواتب ومخصصات كبار المسؤولين مرتبط بمتوسط الدخل الوطني كما يبدأ بإلغاء الامتيازات غير الضرورية، وبمكافحة جدية للفساد لا انتقائية في الاستهداف.وكذلك ببناء اقتصاد إنتاجي لا مجرد موازنة تعتمد على سعر برميل النفط ، غير ذلك ليس إصلاحاً… بل إعادة توزيع للخسائر لصالح من يملكون القرار. العراق لا يحتاج إلى مزيد من المصطلحات الاقتصادية الرنانة، بل إلى عدالة في توزيع الأعباء ، فعندما يشعر المواطن أن الدولة تشاركه التقشف قبل أن تفرضه عليه، سيصبر ويتحمل.أما إذا بقيت القمة محصّنة، فكل إجراء مالي سيُقرأ باعتباره استمراراً لنهبٍ مغلّف بلغة الإصلاح. الإصلاح الذي لا يمس جيوب السلطة، ليس إنقاذاً للوطن… بل حماية لمن أرهقوه. |