سامي المسعودي في التسعينات، حين كانت النجف الأشرف تمشي على صبرها، وحين كان الحصار يطرق الأبواب قبل أن تطرقها الأقدام، دخلتُ مدرسة اليزدي الدينية لأول مرة… لم أدخلها بجسدي فقط، بل دخلتها بعمري كلّه. كنتُ قد اجتزتُ الاختبار الأوّلي. اختبارٌ ظاهره أسئلة، وباطنه غربلة أرواح. وحين سلّموني تلك الورقة الصغيرة، شعرتُ أن يدي لا تمسك ورقًا، بل مصيرًا. كان مكتوبًا فيها بخطٍّ بسيط: «يُعطى جناب الشيخ غرفة». لم تكن مجرّد ورقة… كانت صكّ دخول إلى الجنّة، جنّة العلم، وجنّة الحرمان الجميل، وجنّة أن تكون لا شيء إلا طالبًا لله. ذهبتُ مسرعًا… لا بقدمي، بل بقلبي. كنتُ أسبق نفسي شوقًا، وأعدّ الخطوات كمن يعدّ النعم. لكن حين وصلت، سقط الصمت على قلبي. لا غرفة. لا باب يحمل رقمًا. لا سرير. لا نافذة. قالوا لي بهدوءٍ لا يخلو من الأسف: لا توجد غرفة شاغرة… إلا هذا. وأشاروا إلى مخزنٍ صغير، على حافة الدرج، مكانٌ لا يتّسع لشخصين، ولا حتى لشخصٍ براحة. دخلته… فشعرتُ كأنني أدخل قبرًا حُفر لي خصيصًا. عرضه بقدر جسدي، وطوله بالكاد يسمح لي أن أتمدّد، وسقفه يلامس رأسي كأنه يذكّرني دومًا بالحدّ بين السماء والتراب. لكن العجيب… أنني، رغم كل ذلك، لم أره قبرًا. رأيته قصرًا. قصرًا بلا أبواب مزخرفة، ولا سجاد، ولا نوافذ… لكنه مليء بالمعنى. كان مغطّى بالغبار، وبعض الأشياء البالية، ذكريات طلبةٍ مرّوا وتركوا آثارهم ورحلوا. قبلتُ بها فرِحًا. فرح من وجد موطئ قدم في طريقه، ولو كان على حافة الدرج. نظّفتها بشغفٍ يشبه العبادة. كل حركة كانت إعلانًا صامتًا: أنا هنا… ولن أعود. كنتُ أملك صُرّة صغيرة، فيها ملبسٌ واحد، وبعض الكتيّبات، وفراشٌ خفيف، وغطاء… ولا وسادة. حين حلّ الليل، وضعتُ الكتب تحت رأسي. نمتُ على العلم حرفيًا، وجعلتُ الحرف وسادة، والنية غطاء. كانت تلك أول ليلة. بلا ضوء. بلا مصباح. بلا صوتٍ إلا صوت قلبي. في اليوم التالي، اشتريتُ مصباحًا يعمل على النفط. مصباحًا متواضعًا، اشبع انفي بالدخان رغم ذلك كنت استنشقه عنبر مطعم بالزعفران لكنه كان بالنسبة لي شمسًا مصغّرة. أقرأ عليه ليلًا، وأراجع الدروس، وأحلم نهارًا. مكاني كان على الدرج، فكنتُ أسمع خطوات الأقدام صعودًا ونزولًا، كأن الحياة تمرّ فوق رأسي. وفي إحدى الليالي… منتصف الليل، سمعتُ صوتًا خفيفًا. خطواتٍ حذرة، كأن صاحبها يمشي على قلبه، لا على قدميه. صوت رجلٍ حافي القدمين ينزل الدرج. تملّكني الفضول، فقمتُ وفتحتُ الباب. رأيتُ شيخًا وقورًا، يمسك نعليه، وقد وضعهما تحت إبطيه، ينزل بهدوءٍ عجيب. لم يقل شيئًا. لم يلتفت. لم يُرد أن يشعرني بوجوده. لاحقًا… عرفتُ أنه الشيخ فلاح. فهمتُ حينها، أنه فعل ذلك حتى لا يحرجني، وحتى لا يزعج نومي، وحتى لا يشعرني أن مكاني ضيّق أو مُثقل على غيري. توقّفتُ طويلًا عند تلك اللحظة. كان ذلك درسًا بليغًا، أبلغ من ألف محاضرة. تعلّمتُ أن العالِم الحق لا يعلو على غيره بخطوته، ولا يوقظ كرامة غيره بصوته، وأن الوقار ليس في العمامة وحدها، بل في خفّة الأذى عن الآخرين. تلك الليلة… لم أنم مباشرة. جلستُ أتأمّل مصباح النفط، والغرفة/القبر، والدرج، وخطوات الشيخ. وأدركتُ أنني، في أول يوم لي في مدرسة اليزدي، لم أتعلم درسًا في النحو، ولا في الفقه، بل تعلّمتُ كيف يكون الإنسان عالمًا… قبل أن يكون عارفًا. وإلى اليوم، كلما تذكّرتُ تلك الورقة الصغيرة، وذلك المخزن، وذلك الشيخ الحافي احترامًا، أبتسم وأقول في سري: ما ضاقت بنا الأمكنة… إلا لتتّسع فينا القيم. |