كاظم الطائي عندما يتواجه الخصوم في ساحات السياسة أو ميادين القتال، تتجاوز المواجهات حدود المصالح المادية والاعتبارات الاستراتيجية لتصل أحيانًا إلى عمق العقيدة والهوية. ومن هذا المنطلق، يمكننا قراءة الرسالة التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الجمهورية الإسلامية في إيران، والتي منحها فيها مهلة شهرين لحسم ملفها النووي. ولكن ما لم يدركه المرسل – وربما تجاهله – أن الجهة التي يخاطبها ليست مجرد دولة ذات مصالح سياسية أو اقتصادية فحسب، بل هي كيان ينطلق من عقيدة راسخة تُسيّر حركته وتحدد معاركه. العقيدة كمحرك للصراع إن تجاهل البعد العقائدي في أي مواجهة يُعدّ خطأً استراتيجيًا جسيمًا، خصوصًا عندما يكون الخصم متمسكًا بإيمان عميق يُحفزه على المواجهة حتى النهاية. والجمهورية الإسلامية في إيران ليست استثناءً من هذه القاعدة. فهي ليست مجرد نظام سياسي يحكم وفق أطر مؤسساتية، بل هي امتداد لفكر عقائدي يستلهم من مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وعلى رأسها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).وهو امتداد إلى نبي الأمة. من هنا، فإن قراءة أي تهديد أو عقوبة موجهة إليها بمعزل عن هذا البعد العقائدي تُعتبر قراءة قاصرة. فأولئك الذين يديرون معاركهم من “بيت الله”، كما يعتقدون، يَرون أن أي مواجهة هي امتداد لصراع الحق ضد الباطل، وأن الانتصار الحقيقي ليس مرهونًا بالقوة المادية فحسب، بل بالتوكل على الله والثبات على المبادئ. الشهادة كغاية وليست خسارة ما يُميّز هذا التيار العقائدي – وتحديدًا أتباع مدرسة أمير المؤمنين – هو أن الموت في سبيل العقيدة ليس هزيمة بل هو فوز عظيم. فهم يتسابقون نحو الشهادة كمن يتسابق إلى غنيمة، ويعتبرون أن الموت في سبيل الله هو حياة أبدية. وهذا ما يجعل حسابات الربح والخسارة في هذه المعركة مختلفة تمامًا عن الحسابات المادية التي يُجريها الساسة في الغرب. وعليه، فإن أي محاولة لإخضاع هذه الفئة بالتهديد أو الترهيب لا تأخذ بعين الاعتبار استعدادهم للتضحية بكل شيء في سبيل معتقدهم. وهذا ما يفسر فشل العديد من الحملات والضغوطات عبر العقود الماضية.معركة ليست كسائر المعارك إذا اندلعت مواجهة فعلية بين الولايات المتحدة وإيران، فلن تكون مجرد معركة سياسية أو اقتصادية، بل ستكون معركة عقائدية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وهذا ما يجعل الحسابات التقليدية غير مجدية. فإرادة القتال عندما تكون مغذاة بروح العقيدة تجعل أصحابها أكثر صلابة وأشد بأسًا. لذلك، على من يُخطط لمواجهة هذه الفئة أن يُدرك طبيعة خصمه جيدًا. فهؤلاء ليسوا ممن يرهبهم السلاح أو يُخيفهم الحصار. على العكس، إن أي تصعيد يُشعل فيهم جذوة الإيمان ويزيدهم إصرارًا على المواجهة. بالتالي- إن من يريد هزيمة أتباع العقيدة لا يواجه خصمًا عاديًا يُمكن قهره بالقوة وحدها. فالذي يريد أن يُهزمهم، عليه – كما تقول العبارة – أن يُهزم الله أولًا.وهذه معركة خاسرة قبل أن تبدأ، لأن من ينطلق من عقيدة راسخة يرى أن الموت في سبيلها هو انتصار، ولا يُبالي بأعداد الأعداء أو حجم التهديدات. وفي هذا السياق، يجب أن يُعيد العالم – وتحديدًا الغرب – حساباته حين يتعامل مع قوى عقائدية بهذا المستوى. فالعقيدة حين تُصبح سلاحًا في يد أصحابها، تُغيّر موازين القوى وتجعل من المستحيل أمرًا ممكنًا. |