باقر الجبوري في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة يبدو أن المشهد الإقليمي قد استقر على واقع جديد يتجاوز لغة التهديدات التي كانت تطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل المدعومة من بعض القوى الإقليمية. فبالنسبة لطهران لم يعد الحديث يدور حول الصمود فحسب، بل حول تثبيت انتصار استراتيجي يفرض نفسه على طاولة المفاوضات والوساطة التي تقودها باكستان حالياً. القيادة الإيرانية تدرك أن الحفاظ على هذا المنجز يتطلب نفساً طويلاً وقدرة على فرض الشروط، مستندة إلى أربع ركائز أساسية غير قابلة للتفاوض: أولاً. السيادة على (مضيق هرمز): فإيران تعتبر أن استمرار سيطرتها المطلقة على المضيق هو صمام الأمان للاقتصاد العالمي وورقة الضغط الأقوى. ونجاحها في تأمين هذا الممر الحيوي رغم الحشود العسكرية المعادية، يُعد إعلاناً صريحاً بفشل استراتيجية الخنق الاقتصادي وكسراً للهيمنة البحرية الأمريكية في المنطقة التي تلقت الضربات خلال الحرب الاخيرة وباعتراف ترامب نفسه. ثانياً. صمود النظام ووحدة الجبهة الداخلية: والتي راهن الخصوم عليها طويلاً وأن النظام سيتآكل من الداخل تحت وطأة الضغوط والعدوان، إلا أن بقاء النظام قائماً بذاته، متمتعاً بشرعيته المؤسساتية وقدرته على إدارة الأزمات، يمثل الهزيمة الكبرى لمشاريع تغيير الأنظمة التي قادتها واشنطن. وهذا الصمود هو الركيزة التي تنطلق منها إيران في مفاوضاتها، واضعةً الاعتراف الدولي باستقرارها كشرط أساسي لأي تسوية. ثالثاً. الحفاظ على الترسانة والقدرات العسكرية الايرانية والتي لم تنجح الضربات أو التهديدات في تحجيمها. فالمحافظة على القدرات الصاروخية وبرامج الطائرات المسيرة، وتطويرها حتى في أوج المواجهة، جعل من أي تفكير في عدوان مستقبلي مغامرة غير محسوبة العواقب. إيران تدخل المفاوضات اليوم وهي تمتلك قوة الردع التي تحمي مكتسباتها على الأرض. رابعاً. المخافظة على شبكة التحالفات الإقليمية (محور المقاومة) وعلى رأسهم حزب..الله في لبنان، والفصائل العراقية والتي أثبتت الحرب الاخيرة انهم يمثلون عمقاً استراتيجياً لا يمكن تجاوزه. إن فشل محاولات عزل طهران عن حلفائها يعني أن أي ترتيبات أمنية مستقبلية في المنطقة يجب أن تمر عبر بوابة التفاهم مع هذا المحور. والحفاظ على هذه التحالفات في المنظور الإيراني هو ضمانة لعدم تكرار سيناريوهات العدوان المنطلق من دول الجوار. إضرِب .. تضرَب !! خلاصة القول: إن المفاوضات التي تجري بوساطة باكستانية ليست مجرد بحث عن تهدئة، بل هي منصة إيرانية لفرض قواعد اشتباك جديدة. وإن الانتصار الإيراني لن يكتمل في نظر طهران إلا بترجمة هذه النقاط الأربع إلى بنود قانونية ودبلوماسية ملزمة، تضمن إنهاء التواجد الأجنبي المعادي وتحييد القواعد التي انطلق منها العدوان، بما يؤسس لمرحلة جديدة تكون فيها إيران الرقم الأصعب في معادلة الشرق الأوسط. العالم يتغيير !! ونوازين القوى تتغير !! وما كان سابقاً مجرد فصائل ومليشيات تحول الان بفضل مبدأ وحدة الساحات الى قوة أقليمية تفرض شروطها على ما كانت تعد سابقا القوة الاولى في العالم .. |