محمد عبد الجبار الشبوط لم تعد اللغة السياسية في عالم اليوم تكتفي بالتلويح بالقوة أو التهديد بالعقوبات. لقد وصلت إلى مرحلة أخطر، مرحلة يُهدَّد فيها شعب كامل، بل «حضارة كاملة»، بالموت. هكذا قال رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب في تصريحه الأخير بشأن إيران، حين حذّر من أن «حضارة كاملة قد تموت الليلة» إذا لم تستجب طهران لمطالبه. هذه العبارة ليست مجرد جملة عابرة في خطاب سياسي. إنها تعبير مكثف عن تحوّل عميق في طبيعة الخطاب السياسي العالمي. فحين يتحدث رئيس أقوى دولة في العالم بلغة موت الحضارات، فإننا لا نكون أمام مجرد تصعيد دبلوماسي، بل أمام انهيار واضح في الحدود الأخلاقية التي كانت تضبط لغة السياسة الدولية حتى في أكثر لحظات الصراع توتراً. لقد عرفت السياسة الدولية عبر تاريخها الطويل كثيراً من الحروب والاغتيالات والعمليات العسكرية. لكن ثمة فارقاً جوهرياً بين ممارسة القوة بوصفها أداة من أدوات السياسة، وبين تحويل التهديد بالفناء إلى خطاب علني يقال أمام الكاميرات. إن الفرق بين الأمرين هو الفرق بين منطق الدولة ومنطق الاستعراض الشعبوي. وهنا يظهر الوجه الأكثر قسوة للشعبوية السياسية. فالشعبوية لا تكتفي بتبسيط القضايا المعقدة أو تأجيج العواطف الجماهيرية، بل تدفع القادة أحياناً إلى استخدام لغة قصوى، لغة الغضب والغلبة والاستعراض. وفي هذه اللغة تختفي فكرة المسؤولية التاريخية لرجل الدولة، لتحل محلها لغة الحشد والتصفيق. إن التهديد بموت «حضارة كاملة» ليس مجرد مبالغة بلاغية. إنه تعبير عن تصور يرى الصراع الدولي بوصفه صراع وجود لا صراع مصالح. وهذه هي اللحظة التي تتحول فيها السياسة من فن إدارة المصالح إلى خطاب صدامي يحمل في داخله بذور الكارثة. والمفارقة أن التاريخ يعلمنا أن الحضارات لا تموت بتهديدات السياسيين، بل تموت حين تفقد السياسة حياءها الأخلاقي. فحين يصبح التفاخر بالقتل أو التهديد بالفناء جزءاً من الخطاب السياسي، فإن ذلك لا يكشف فقط عن طبيعة الصراع، بل يكشف أيضاً عن أزمة عميقة في الضمير السياسي العالمي. لقد مرت البشرية بقرون من الحروب والصراعات، لكنها كانت تحاول دائماً أن تضع حدوداً أخلاقية للكلمات قبل الأفعال. أما اليوم، فإن هذه الحدود تبدو وكأنها تتآكل تحت ضغط الشعبوية التي تحوّل السياسة إلى عرض إعلامي، والقوة إلى مادة للخطابة، والخوف إلى وسيلة لحشد الجماهير. إن أخطر ما في هذه اللحظة ليس احتمال الحرب وحده، بل اللغة التي تسبق الحرب. فاللغة التي تتحدث عن موت حضارات يمكن أن تمهد الطريق بسهولة لأفعال قد تدفع العالم إلى حافة كارثة تاريخية. وحين تصل السياسة إلى هذه المرحلة، يصبح السؤال الحقيقي ليس: من ينتصر في الحرب؟ بل: ماذا يبقى من الإنسانية بعد أن تتكلم السياسة بلغة الفناء. |