بقلم / محمد السوداني
لم يكن ما تحقق مجرد فوزٍ عابر، ولا تأهلٍ تقليدي يُضاف إلى سجل المشاركات، بل كانت ملحمة كروية متكاملة الأركان، سطّر فيها منتخبنا الوطني «أسود الرافدين» واحدة من أعظم صفحات الكرة العراقية، حين انتزع بطاقة العبور إلى نهائيات كأس العالم 2026 على حساب منتخب بوليفيا، في مواجهةٍ حبست الأنفاس وأعادت للعراقيين ذاكرة المجد بعد غيابٍ دام أربعين عاماً.
المكسيك، التي كانت بالأمس شاهدة على أول حضور عراقي في المونديال، عادت اليوم لتكون بوابة العبور الثانية، وكأن التاريخ يُصرّ أن يمنح العراق فرصته من نفس الأرض، لكن هذه المرة بإرادةٍ أصلب، وعزيمةٍ لا تعرف الانكسار. جيلٌ جديد من الأبطال، حمل على عاتقه آمال شعبٍ أنهكته التحديات، لكنه لم يفقد إيمانه بأن الفرح ممكن… وأن المستحيل يمكن كسره.
هذا التأهل لم يكن صدفة، بل جاء نتيجة جهدٍ متراكم، وعملٍ فني وإداري بدأ يؤتي ثماره، وروحٍ قتالية ظهرت في أصعب اللحظات. لقد لعب أسود الرافدين بروح الفريق الواحد، بقلوبٍ تنبض بالعراق، وبإصرارٍ على إعادة الهيبة للكرة العراقية في المحافل الدولية.
لكن، وبينما تعلو أصوات الفرح، يجب أن يدرك الجميع أن المهمة الحقيقية تبدأ الآن. فبعد إنجاز التأهل، تقف أمامنا تحديات أكبر، خاصة وأن منتخبنا سيخوض غمار المونديال ضمن مجموعةٍ حديدية تضم نخبة من أقوى المنتخبات في أوروبا وأفريقيا هي فرنسا والنرويج والسنغال وهنا، لا مجال للاكتفاء بما تحقق، بل يجب أن يتحول هذا الإنجاز إلى نقطة انطلاق نحو تحضيرٍ استثنائي يليق بحجم التحدي.
المسؤولية اليوم لا تقع على اللاعبين والجهاز الفني فحسب، بل تمتد لتشمل الاتحاد، والحكومة، والإعلام، والجمهور. نحن أمام اختبار وطني حقيقي: إما أن نكون على قدر الحلم، أو نكتفي بدور المتفرج في أكبر محفل كروي في العالم.
العراق لا يذهب إلى المونديال ليكون مجرد رقمٍ في مجموعة، أو جسراً تعبر من فوقه المنتخبات الأخرى، بل يجب أن يدخل بوابة المنافسة بثقة واحترام، واضعاً نصب عينيه أن كرة القدم لا تعترف بالمستحيل. كم من منتخباتٍ عربية وآسيوية وأفريقية قلبت الموازين، ووقفت نداً لأعتى القوى الكروية في العالم، بفضل الإعداد الجيد، والانضباط، والإيمان بالقدرات.
ستون يوماً فقط تفصلنا عن انطلاق التحدي الأكبر… ستون يوماً يجب أن تكون كافية لبناء فريقٍ قادر على مقارعة الكبار، فريقٍ لا يخشى الأسماء، بل يصنع اسمه بعرقه وجهده داخل المستطيل الأخضر.
اليوم فرحنا بالتأهل… وغداً يجب أن نعمل من أجل المجد. لأن التاريخ لا يذكر من شارك فقط، بل يخلّد من قاتل، وصمد، وترك بصمته. أسود الرافدين… لقد أنجزتم المهمة الأولى، وفتحتم أبواب الحلم، فكونوا على موعدٍ مع كتابة فصلٍ جديد من المجد… فالعراق يستحق.