امجد عبد الكريم مع التوسع الهائل في استخدام المنصات الرقمية، ظهرت أنماط جديدة من السلوك الاقتصادي والاجتماعي، من أبرزها ما يُعرف بالتسول الرقمي. هذه الظاهرة لم تعد مجرد حالات فردية عابرة، بل تحولت إلى نشاط متكرر يجري في فضاء يكاد يخلو من الرقابة والتنظيم.الواقع يضع المجتمع العراقي أمام معادلة صعبة: بين الرغبة الصادقة في مساعدة المحتاجين، والخوف من الوقوع ضحية للاحتيال. فضعف الرقابة الرقمية، وغياب آليات تحقق واضحة، يجعلان من السهل استغلال مشاعر الناس، خاصة في مجتمع معروف بتعاطفه وتكافله. مثال على ذلك تداول مستخدمون بثًا مباشرًا على TikTok لرجل يجلس مع أطفال داخل غرفة بسيطة، يطلب المال لإطعامهم. حصد البث تعاطفًا كبيرًا وتبرعات من المتابعين، لكن اللافت أن نفس المشهد تكرر لأيام مع اختلاف الروايات، ما أثار الشكوك حول استغلال الأطفال وصناعة قصة متكررة لجني الأموال. (شبكة 964) كما سجلت السلطات في محافظة بابل حالة لشخص كان ينشر صور أطفال مرضى وعوائل محتاجة عبر الإنترنت، ويتمكن من جمع مبالغ مالية، قبل أن يتم القبض عليه بتهمة الاحتيال واستغلال التعاطف الإنساني. تكمن خطورة التسول الرقمي في أنه يعمل ضمن بيئة غير محكومة بقواعد واضحة، حيث يمكن لأي فرد أن يطلب الدعم المالي دون وجود آليات تحقق دقيقة أو معايير تحدد المصداقية. هذا الفراغ التنظيمي فتح المجال أمام ممارسات متباينة، تتراوح بين الحاجة الحقيقية والاستغلال المتعمد. من منظور علمي، تشير أبحاث السلوك الرقمي إلى أن الأفراد يتفاعلون بسرعة مع المحتوى العاطفي، خاصة عندما يُقدَّم بشكل مباشر وشخصي. هذا التفاعل الفوري، في غياب التحقق، يخلق بيئة مثالية لانتشار طلبات الدعم دون تدقيق، ما يحوّل المنصات إلى مساحة مفتوحة لتدفق الأموال بناءً على الانطباع لا على الحقائق. اقتصاديًا، يمكن اعتبار التسول الرقمي جزءًا من نشاط غير رسمي ينمو خارج الأطر القانونية. ومع غياب الضبط، يصبح من الصعب تتبع حركة الأموال أو ضمان وصولها إلى مستحقيها. كما أن هذا النمط قد يشجع على الاعتماد على التبرعات كبديل عن العمل المنتج، خصوصًا إذا ثبت أنه يحقق عائدًا سريعًا. أما اجتماعيًا، فإن استمرار هذه الظاهرة دون تنظيم يؤدي إلى تآكل الثقة بين الأفراد. فكلما زادت حالات التلاعب أو الغموض، أصبح الجمهور أكثر ترددًا في تقديم الدعم، حتى للحالات التي تستحقه فعلًا. وهنا تتضرر المنظومة الإنسانية بأكملها، حيث يُعاقب المحتاج الحقيقي بسبب غياب الضوابط. لذلك، تبرز الحاجة إلى وجود رقابة فعالة تنظم هذا المجال، سواء عبر المنصات نفسها أو من خلال تشريعات رسمية. يمكن أن تشمل هذه الرقابة: ١_ توثيق الحسابات التي تطلب تبرعات ٢- فرض شفافية في عرض المعلومات مراقبة تدفق الأموال ٣- إنشاء قنوات رسمية موثوقة للدعم إن وجود مثل هذه الضوابط لا يهدف إلى منع المساعدة، بل إلى حمايتها من الاستغلال، وضمان توجيهها بالشكل الصحيح. ٤- حملات اعلامية وندوات مكثفة للتوعوية لهذه الظاهرة السلبية. في النهاية، لا تكمن المشكلة في التسول الرقمي بحد ذاته، بل في كونه ظاهرة تنمو في بيئة بلا قواعد. ومع استمرار هذا الفراغ، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نترك العاطفة تقود هذا المجال، أم نعيد تنظيمه بما يحقق العدالة والشفافية. |