حسن الحيدري على حينِ غفلة من الزمن يرحل بعض الرجال لا لان اعمارهم انتهت فحسب بل لان حضورهم كان اكبر من ان يقاس بالسنين ومن هؤلاء كان مالك المطلبي تلك القامة النحوية والنقدية التي شكلت جزءا من الوعي الثقافي العراقي وواحدا من الاصوات التي حملت اللغة العربية لا بوصفها اداة فحسب بل كائنا حيا يصان ويعاد اكتشافه.تكون المطلبي في بيئة عراقية مشبعة باللغة والتراث فشب قريبا من النصوص القديمة متوغلا في دقائق النحو والبلاغة حتى صار اسمه مقترنا بالدقة والتحليل العميق لم يكن ناقدا تقليديا بل كان قارئا يفتش في النص عن روحه قبل شكله ويوازن بين التراث والحداثة بوعيٍ نادر. عمل في التعليم والبحث واسهم في اثراء المكتبة العربية بمقالات ودراسات تناولت قضايا اللغة والنقد الادبي وكان حضوره في الندوات الثقافية لافتا اذ يجمع بين الصرامة العلمية وروح الحكواتي البغدادي الذي يعرف كيف يمتع ويقنع في ان واحد. بين النحو والحياة: لم يكن النحو عند المطلبي قواعد جامدة بل كان انعكاسا للحياة نفسها كان يرى ان الخلل في اللغة مرآة لخلل اعمق في التفكير ولذلك ظل يدافع عن العربية بوصفها هوية ووعيا في لقاءاته كان قادرا على ان ياخذ مستمعيه الى زمن اخر حيث الاصالة لا تعني الجمود بل تعني الامتداد. ولعل من يلتقيه كما حدث في شارع المتنبي يشعر انه امام رجل من زمن مختلف يحمل هدوء العلماء وحنين المدن القديمة ويترك في النفس اثرا يصعب تفسيره. ترك المطلبي اثرا واضحا في اجيال من الطلبة في الفنون الجميلة مثلا وكان حضوره في بغداد الثقافية بمثابة علامة على استمرار تقاليدها العريقة لم يكن مجرد ناقد بل كان حارسا لذاكرة اللغة ومساهما في تشكيل الذائقة الادبية لدى من عرفوه او قرأوا له. حين يرحل امثال المطلبي لا تغيب اسماوهم بل تتحول الى اشارات في الذاكرة الثقافية وربما لا يقام له تمثال من حجر في احد ميادين بغداد لكن تمثاله الحقيقي سيبقى في الكتب وفي عقول من تاثروا به، وفي ذلك الشغف الذي يوقظه كلما ذكر اسمه انه من اولئك الذين لا يقاس حضورهم بلحظة موثقة بصورة بل باثر ممتد في الزمن اثر يجعل من بغداد اكثر اتساعا في المعنى واكثر اشراقا في الذاكرة. |