طه حسن الاركوازي ليس من المُبالغة القول إن الإعلام يُشكل أحد أهم أعمدة بناء الوعي في المُجتمعات الحديثة ، فهو الواجهة التي تُعرض من خلالها الوقائع ، والمنصة التي تتشكل عبرها المواقف العامة ، ولأن الكلمة تمتلك قُدرة هائلة على التأثير في العقول والاتجاهات ، فإن مسؤولية الإعلامي لا تقتصر على نقل الخبر ، بل تمتد إلى صون الحقيقة وحماية الوعي العام من التضليل والتشويه . غير أن المتابع للمشهد الإعلامي في كثير من مناطق العالم يلحظ بروز ظاهرة مُقلقة تتمثل في ما يمكن تسميته بـ “الإعلام المأجور”وهو ذلك النمط من العمل الإعلامي الذي يفقد أستقلاليته المهنية ، ويُغادر موقعه الطبيعي بوصفه وسيطاً للحقيقة ، ليصبح أداة تخدم مصالح “سياسية أو فئوية ضيقة” ، في مثل هذه الحالات تتحول المعلومة من رسالة معرفية نبيلة إلى سلعة تُستخدم لتوجيه الرأي العام وفق أعتبارات لا علاقة لها بالمهنية أو الموضوعية . تكمن خطورة هذا النوع من الإعلام في أنه لا يكتفي بتشويه بعض الحقائق أو تضخيم بعض الأحداث أو أخفائه للحقائق أو تحريفها ، بل يمتد أثره إلى تشكيل تصورات مُضللة لدى الجمهور ، فحين تُقدم الوقائع بأنتقائية أو تُفسر الأحداث وفق سرديات أُحادية يصبح المشهد العام عرضة للتشويش ، وتُضعف قُدرة المُجتمع على التمييز بين الحقيقة والدعاية . إن مهنة الإعلام حين تَفقُد أستقلالها الأخلاقي فأنه يفقد معه أهم ما يُميزه من “الثقة” ، والثقة هي رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية أو صحفي ، فالكلمة التي تُكتب تحت تأثير التمويل أو الضغوط أو الاصطفافات الضيقة ، قد تحقق أثراً آنياً ، لكنها على المدى البعيد تُفقد صاحبها مصداقيته ، وتُضعف ثقة الجمهور بالمؤسسات الإعلامية عموماً . في المقابل ، يظل الإعلام المهني المُستقل أحد أهم الضمانات لحماية الوعي العام ، فالإعلام المسؤول لا ينحاز إلا للحقيقة ، ولا يُوظف الخبر لخدمة أجندات خفية ، بل يسعى إلى تقديم الوقائع في سياقها الصحيح ، مع إفساح المجال لتعدد الآراء ووجهات النظر ، وفي هذا الإطار يصبح الإعلام أداة للبناء المعرفي لا وسيلة للتضليل أو إثارة الانقسام . ولا تقتصر مسؤولية مواجهة ظاهرة التضليل الإعلامي على المؤسسات الصحفية وحدها ، بل تمتد أيضاً إلى الجمهور نفسه ، فالقارئ الواعي والمُتابع المُتبصر يُشكل خط الدفاع الأول في مواجهة المعلومات المُضللة ، ومع أتساع فضاء الإعلام الرقمي وتعُدد المنصات باتت الحاجة إلى التفكير النقدي ، والتحقق من مصادر المعلومات أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى . لقد كان الإعلام ، في أفضل صوره ، صوتاً للحقيقة ومنبراً للحريات ومساحة للتعبير المسؤول ، وما زالت هذه الرسالة قائمة وقادرة على الاستمرار متى ما تمسك الإعلاميون بقيم المهنة وأخلاقياتها ، وفي مقدمتها الوطنية والنزاهة والاستقلالية والالتزام بالمصلحة العامة . إن الحفاظ على وعي المجتمع لا يبدأ فقط من غرف التحرير أو استوديوهات البث ، بل يبدأ أولاً من ضمير الصحفي الذي يكتب الكلمة ، ويختار زاوية النظر إلى الحدث ، وحين يلتقي هذا الضمير المهني مع وعي القارئ وبصيرته ، يصبح الإعلام قوة إيجابية تسهم في بناء المُجتمع وترسيخ الحقيقة ، بدلاً من أن يتحول إلى أداة للالتباس أو التضليل . فالكلمة مسؤولية قبل أن تكون مهنة ، والحقيقة أمانة لا يجوز التفريط بها ، لأنها في نهاية المطاف ليست مجرد خبر يُنشر ، بل وعي أمةٍ يُصان ويُحترم …! |