امين السكافي يبدو أن حزب الله الذي نراه اليوم ليس هو ذاته الذي عرفناه قبل عدوان الستة والستين يوماً، قبل خمسة عشر شهراً. ثمة شيء تغيّر في العمق، في الروح، في البنية، وفي طريقة الحركة داخل ميدان المواجهة. وكأن الزمن الذي مرّ لم يكن زمناً عادياً، بل كان زمناً للتخمير الصامت، والعمل الخفي، وإعادة صياغة الذات على نحوٍ أكثر دقةً وصلابة. ما نشهده اليوم يوحي بأننا أمام نسخة محدثة من تجربة المقاومة؛ نسخةٍ تتقن فنّ التنظيم كما لو أننا أمام ماكينة ألمانية دقيقة، حيث تعمل الأجزاء الصغيرة بتناغم مذهل لتصنع فعلاً كبيراً تتجلى آثاره في ساحة الميدان. في خطوط التماس الأولى، ثمة رجال يسهرون الليل كما يسهر الحراس على أسوار التاريخ. هناك، حيث يختبر الحديدُ صلابةَ الرجال، يقف المجاهدون ليمنعوا أي تقدّم للعدو، فيشتبكون معه اشتباك الإرادة قبل اشتباك السلاح، ويجبرونه على التراجع تحت ضغط الحضور المقاوم. هؤلاء الذين نراهم في قلب المواجهة، رضوانيين كانوا أو من سائر الوحدات، لا يتحركون بعشوائية، بل وفق إيقاعٍ محسوب كنبض القلب في جسدٍ حي. وفي مكانٍ آخر من الجبهة، ثمة عيون تترصد الحركة الخفية لآليات الاحتلال وجنوده. صمتٌ ثقيل يسبق الفعل، وترقّب يشبه لحظة انقضاض الصقر على فريسته. وما إن يحين الوقت حتى تنطلق صواريخ الكورنيت أو غيرها، لتصيب هدفها بدقةٍ تكاد تبدو وكأنها قدرٌ مكتوب أكثر منها عملية عسكرية. أما وحدة الإطلاق الصاروخي، فهي فصل آخر من فصول هذه الملحمة. تعمل أحياناً منفردة، وأحياناً أخرى بتناغمٍ محسوب مع الجبهة الصاروخية الإيرانية، في مشهدٍ يشبه حوار النار بين السماء والأرض. هنا لا يعود الصاروخ مجرد سلاح، بل رسالة استراتيجية تقول إن موازين القوة لم تعد حكراً على طرف واحد، وإن زمن الهيمنة المطلقة قد بدأ يتآكل أمام إرادةٍ تعرف كيف تصبر وكيف تضرب. وفي موازاة ذلك، يتحرك الإعلام الحربي كجبهةٍ أخرى لا تقل تأثيراً عن جبهات النار. خطابٌ مدروس، وصورةٌ محسوبة، ورسائل تتوجه مباشرة إلى مستوطني الشمال، تدعوهم إلى ترك مغتصباتهم والابتعاد عن دائرة الخطر. إنه ضغطٌ نفسي يتكامل مع الضغط العسكري، في معركةٍ أصبحت فيها الكلمة والصورة جزءاً من معادلة الردع. وحين أنظر، بما أوتيت من خبرةٍ بسيطة في الشؤون العسكرية، إلى هذا المشهد المتكامل، أرى ما يشبه لوحةً عسكرية متقنة التفاصيل. فكل مجموعة تعرف دورها بدقة، وكل وحدة تتحرك ضمن منظومةٍ أكبر منها، وكأننا أمام جسدٍ واحد له دماغٌ يوزع المهام ويضبط الإيقاع. جسدٌ يتحرك بانسيابيةٍ مدهشة، يتبدل مع الظروف، ويتفاعل مع الفعل ورد الفعل، دون أن يفقد توازنه أو وضوح رؤيته. ولعل ما يفسر هذا النضج في الأداء هو تلك الأشهر الخمسة عشر من الصمت الظاهر والعمل العميق. صمتٌ لم يكن فراغاً، بل كان مدرسةً في التخطيط والتدريب وإعادة بناء القدرات. ففي عالم الصراعات الكبرى، كثيراً ما تكون اللحظات الأكثر هدوءاً هي اللحظات التي يُعاد فيها رسم المستقبل. وقد نما إلى مسامعنا أن القيادة السياسية باتت تمارس دورها في فضائها الخاص، فيما تُركت قيادة الميدان العسكري ترسم خططها وتدير معاركها وفق قواعدها الاحترافية. هذا الفصل الواضح بين السياسة والعسكر منح الأداء العسكري حرية الحركة ودقة القرار، فظهرت تلك اللوحات القتالية التي تبدو في بعض لحظاتها أقرب إلى الملاحم منها إلى العمليات التقليدية. إن ما نراه اليوم ليس مجرد تطور تكتيكي، بل تحول في فلسفة القتال ذاتها. فلسفةٌ تقوم على التكامل بين القوة والصبر، بين التنظيم والإيمان، بين العقل الذي يخطط والروح التي تقاتل. ولهذا، فإن كثيرين ممن يراقبون المشهد بدأوا يدركون أن ما يتشكل أمام أعينهم قد يكون بداية مرحلة جديدة في تاريخ الصراع. مرحلةٍ لا تقوم على الانفعال، بل على بناء قوةٍ متماسكة تعرف متى تصمت ومتى تتكلم بالنار. ومن هنا يتولد يقينٌ داخلي، بأن استمرار المعارك بهذا النسق المتماسك قد يعــــــيدنا ـ بإذن الله وكرمه ـ إلى زمن الانتصارات، ذلك الزمن الذي لا يصنعه السلاح وحده، بل تصنعه الإرادة حين تتحول إلى قدر، ويتحول الرجال إلى أسطورةٍ تمشي على الأرض. |