الدكتورة غــدير ســلام عـــارف / تدريسية في جامعة بغداد
في بعض الليالي، لا يكون السكون راحةً كما اعتدنا، بل يصبح مساحةً للتأمل والقلق واستحضار الذكريات. نقف بين زمنين؛ زمن الرحمة في شهر رمضان، وزمن الفاجعة التي ارتبطت باستشهاد علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فنشعر أن التاريخ لا يغيب، بل يحضر في وجداننا كلما أقبلت تلك الليالي. إنّه تداخل الشعور بين العبادة والحزن، بين نور الفجر وذكرى الدم في المحراب. ليلةٌ بين رمضان وعاشوراء، حين يهمسُ القدرُ في سكونِ الفجر هدوءُ الليلِ وسكونُ الأصواتِ لا يمنحانني الطمأنينةَ هذه المرّة. ثمةَ رجفةٌ خفيّةٌ تتسرّب إلى الروح، كأنّ الذاكرةَ تستبقُ حدثًا لم يقع بعد، أو كأنّ القلبَ يسمعُ ما لا تسمعه الآذان. أأقتربُ من عاشوراء؟ لكنّ التقويم يقول إننا في رمضان، شهر الرحمة والقرآن. فكيف يمتزج في داخلي عبقُ القيام بوجعِ الفقد؟ في ليالي رمضان، يعتاد المؤمن أن يرفع يديه طلبًا للغفران، وأن ينتظر الفجرَ كولادةِ نورٍ جديد. غير أنّ فجرًا واحدًا في التاريخ لم يكن كغيره؛ كان فجرًا مضمّخًا بالدم، معلنًا أنّ العدالة قد تُطعَن، وأنّ الحقَّ قد يُستهدف وهو في محرابه. هناك، في مسجد الكوفة، سقطت قامةٌ لم تكن لرجلٍ فحسب، بل كانت ميزانًا للأمة، علي بن أبي طالب. كيف كانت تلك اللحظة؟ هل ارتجفت الجدران حين اخترق السيفُ جبينَ الصلاة؟ هل أدركت السماءُ أنّ يتيمًا سيولد في تلك الليلة، لا من فقرٍ في المال، بل من فقرٍ في الأبوة والظلّ والحنان؟ ماذا عن السيدة زينب بنت علي، التي ستقف لاحقًا شاهدةً على فواجع أكبر، وكأنّ المصيبةَ بدأت درسًا أول في مدرسة الصبر؟ وماذا عن ريحانتي رسول الله، الحسن بن علي والحسين بن علي، كيف تلقّيا صورةَ الأب العائد مخضّبًا بدمه، وهو الذي كان لهم أمانًا وملاذًا؟ رمضان هنا لا ينفصل عن عاشوراء، بل يمهّد لها. ففي استشهاد عليٍّ يتجلّى المعنى الأول للعدل المصلوب، وفي كربلاء يكتمل المشهد بذروة التضحية. كأنّ التاريخَ ينسج خيطًا واحدًا من المحراب إلى الميدان، من دمعةِ يتيمٍ في الكوفة إلى صرخةِ حقٍّ في الطف. وأتساءل: ما حالُ صاحب زماننا، محمد بن الحسن المهدي، وهو يرى صفحاتِ الفاجعة تتكرّر في الوعي كل عام؟ أليس الحزنُ هنا وعيًا، والدمعةُ موقفًا، والذكرى مسؤولية؟ إنّ شعوري في هذه الليلة ليس اضطرابًا بلا سبب؛ إنّه استحضارٌ لرمضانٍ خاص، رمضانٍ ارتبط بالشهادة، فصار الليلُ فيه شاهدًا لا ساكنًا، وصار الفجرُ سؤالًا مفتوحًا: هل يُقتل العدلُ حقًا؟ أم أنّه يولدُ من جديدٍ في كل قلبٍ يؤمن به؟ ربما لهذا لا يمنحني الهدوءُ طمأنينةً كاملة؛ لأنّ في داخلي يقينًا بأنّ بعض الليالي لا تُقاسُ بسكونها، بل بما تُخفيه من قدر. وفي تلك الليلة، لم يكن الفجرُ مجرّد انتهاءِ ظلام، بل كان بدايةَ تاريخٍ من الألم، وبدايةَ درسٍ أبديٍّ في الصبر والثبات.رمضانُ هنا ليس نقيضَ الحزن، بل مهدُه الطاهر؛ ففيه سقط عليٌّ شهيدًا، ليبقى حيًّا في ضمير العدالة، ولتبقى تلك الليلةُ سؤالًا يوقظُ القلوب:ةهل يحدث هذا حقًا؟ نعم… يحدث حين يُبتلى الحقُّ، لكنّه أيضًا ينتصر، لأنّ الدمَ الذي سُفك في محراب الصلاة لم يكن نهايةً، بل كان وعدًا بأنّ للعدلِ فجرًا لا يُطفأ.وختاماً، يبقى رمضان شهر الطهر والنور، لكنه يحمل في طياته ذكرى عظيمة تعلّمنا أن الحق قد يُستهدف، لكنه لا يموت. فاستشهاد عليّ لم يكن نهاية سيرة، بل بداية وعيٍ متجددٍ بالعدالة والصبر والثبات. وهكذا تمضي الليالي، ويبقى السؤال حيًّا في القلوب، ليذكّرنا أن الفجر الحقيقي هو فجر القيم التي لا تنطفئ.
|