ا لباحثة أمل حمادي عبدالله الأحمدي في الذاكرة العراقية، لم يكن النهر مجرد تدفق مائي، بل كان نبضاً حضارياً وشرياناً أزلياً يغذي الطين والروح، وتصديقاً لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ إن هذه الآية العظيمة تُذكّرنا بأن الماء هو أساسُ الحياة، والسر الذي أودعه الخالق في تفاصيل الخلق لتستمر الكائنات في عطائها. لقد اصطفى الله بلادنا بمعجزة الرافدين، ليكون هذان النهران موردَ خير لا ينقطع ومنارةَ حضارةٍ لا تنطفئ، وأمانةً ثقيلة في أعناقنا تعكس جوهر الاستخلاف الإلهي، ذلك التكليف الذي جعل منا مؤتمنين على الأرض لا مالكين لها، ومسؤولين عن إعمارها لا إهلاكها. فكان النهر الذي أطعمنا من جوع، وسقانا من ظمأ، وبنى على ضفافه حضارةً علمت العالم معنى الاستقرار والعمران، شاهداً على عظمة العطاء الرباني. لكننا اليوم، وفي غمرة اللامبالاة القاتلة، نقف أمام مشهدٍ يدمي الضمير، إذ تحولت أنهارنا التي كانت أصلاً للحياة إلى مجارٍ للذبول ومكباتٍ شاسعة للنفايات. لقد ائتمننا الخالق على هذا السر العظيم، غير أننا رددنا الإحسان بالجفاء، فبدلاً من أن نحرس شريان الحياة الذي وُهب لنا، لوّثنا مياهه بمخلّفاتنا، وأسرفنا وبذّرنا موارده حتى جفّ وانحسر نبضه. فأحلنا شريان الوجود إلى مقبرةٍ صامتة من الإهمال، وتركنا خلفنا تصحّراً يلتهم الجمال وخراباً يطمس الهوية. وهكذا بات النهر الذي منحنا الارتواء يلفظ أنفاسه الأخيرة، غرقاً في النفايات وجفافاً بسبب استنزافنا، يئن بمرارة تحت وطأة يدٍ لوّثت مجراه وسلبت ماءه ونقاءه . وهنا يبرز السؤال الفلسفي الأكثر إيلاماً : ماذا يبقى من «الاسم» إذا غاب «المسمى» ؟ وكيف سنُعرّف أنفسنا للعالم إذا جفت الشرايين التي منحتنا الهوية والوجود؟ إن إنقاذ الرافدين اليوم يتطلب دبلوماسية مائية ليفرض ثورةً مفاهيمية هي «الصيام البيئي» تلك الاستراتيجية العلمية والفلسفية التي تفرض الانتقال الفوري من عقلية «الوفرة الواهمة» إلى «الإدارة الذكية للندرة» .فصيامنا اليوم هو «عفة مائية» تكفُّ يد الرعونة الهيدرولوجية عن تبديد القطرة، و «توبة كيميائية» تحمي شراييننا الحيوية من عبث الصناعة، وصولاً إلى ترميم ميزان الخلق عبر تحويل التكنولوجيا من أداة لغزو الطبيعة إلى أداة لترميمها. ويكمن جوهر هذا الصيام في ضبط التدفقات المائية مع دول الجوار ،وتوظيف الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بُعد لتحقيق أقصى كفاءة إنتاجية بأقل كلفة إيكولوجية، ترفدها «زكاة بيئية» تتمثل في أحزمة خضراء ذكية تبرد لوعة «الأنتروبيا» التي باتت تحرق أنفاس مدننا. مع ضرورة بناء منظومة خزن وطنية ذكية تعتمد على حصاد مياه الأمطار وإعادة تدوير كل قطرة مياه مستخدمة عبر محطات معالجة متطورة تنهي عصر الهدر وتضمن استدامة النهرين للأجيال القادمة. كما ينبغي إلزام كافة المصانع والمنشآت النفطية بإنشاء وحدات تدوير خاصة بها، بحيث لا تُطرح قطرة مياه ملوثة واحدة في النهر دون معالجتها، حماية لدجلة والفرات من التلوث والاستنزاف . إن العودة إلى «مِحراب الرافدين» بقلبٍ يقدس حقَّ الماء هي طوق النجاة الأخير، لكنه أيضاً بوابة الأمل الكبرى، فما زال في عروق الأرض نبض ينتظر وفاءنا، وما زالت أنهارنا تمتلكُ طاقة التجدد إذا ما امتزجت إرادتنا بحكمتنا. إن هذه الأنهار هي التي منحت بلادنا اسمها الخالد، والحفاظ عليها هو استردادٌ لهويتنا التي لا تموت. فبينما يلوح خطر الجفاف، يلوح معه أمل التغيير، فكل قطرة نصونها اليوم هي غدٌ أخضر نزرعه لأبنائنا. إما أن نسترد أمانة الاستخلاف ونعيد للماء فطرته، أو نكون الجيل الذي شهد انتحار التاريخ عطشاً، فمن حفظ النهر حفظ الوجود، ومن آمن بقدرة النهر على العطاء، وهبه النهرُ خلوداً جديداً . |