حاوره / محمد السوداني
في مدينة العمارة، حيث الكرة ليست مجرد لعبة بل هوية وانتماء، بزغ نجم مهاجمٍ ترك بصمة واضحة في تسعينيات القرن الماضي، وتميز بطول القامة والسرعة والقدرة التهديفية العالية، ليصبح واحداً من أبرز هدافي جيله. إنه الكابتن إيهاب إبراهيم، المعروف كروياً بلقب “سكوبي”، الذي صنع اسمه في زمنٍ كانت فيه المنافسة شرسة، والإمكانيات محدودة، لكن الروح القتالية والانضباط كانا عنوان المرحلة. في هذا الحوار نستعرض محطات مسيرته منذ الفرق الشعبية وحتى الدوري الممتاز، وأسرار تألقه، وأبرز المواجهات، ورسائله للجيل الحالي وجماهير ميسان الوفية. أولاً: البدايات… من الأزقة الشعبية إلى الأندية الكبيرة * الانطلاقة من فريق التضامن الشعبي س: كيف بدأت مسيرتك الكروية؟ ج: بدأت مسيرتي عام ١٩٩١ مع فريق التضامن أحد الفرق الشعبية العريقة في مركز مدينة العمارة بمحافظة ميسان، وهناك تشكلت ملامح حلمي وتعلمت أساسيات كرة القدم والانضباط وروح التحدي. كانت الفرق الشعبية تمثل القاعدة الحقيقية للكرة، فهي الحاضنة الأولى للمواهب والرافد الأساس للأندية والمنتخبات الوطنية، إذ تُصقل فيها المهارات وتُبنى الشخصية الرياضية رغم بساطة الإمكانات. ومن هذه المدرسة انتقلت إلى نادي ميسان الرياضي الذي كان يلعب في دوري الدرجة الثانية موسم ١٩٩٥/١٩٩٦، لأخطو أولى خطواتي الرسمية بثقة أكبر، واضعاً نصب عيني أن أصبح لاعباً مهماً في المستقبل، امتداداً لذلك الطريق الذي بدأ من الملاعب الشعبية نحو تمثيل الأندية وخدمة الكرة العراقية. * تجربة كرة السلة وصناعة الانضباط س: علمنا أنك بدأت في كرة السلة، كيف أثرت في مسيرتك؟ ج: بالفعل، كانت بدايتي في كرة السلة، التي أعطتني الكثير من الدوافع والمعطيات لتطوير قدراتي، من الانضباط والصبر إلى روح الفريق والعمل الجاد. تدرجت فيها بالفئات العمرية المختلفة، مما عزز لياقتي البدنية، قدرتي على القفز العالي والتوقيت الصحيح في الألعاب الهوائية، وساهم ذلك في صقل مهاراتي الرياضية. لكن عشقي لكرة القدم زاد من طموحاتي كثيراً، ودفعني لأن أصبح لاعباً أكثر تكاملاً ومستعداً لمواجهة تحديات الملاعب المختلفة. ثانياً: رحلة الصعود… من الدرجة الثانية إلى الممتاز * مشوار طويل نحو الحلم س: كيف تصف رحلة التأهل إلى الدوري الممتاز؟ ج: كانت رحلة شاقة ومليئة بالتحديات. بدأنا في دوري الدرجة الثانية وخضنا عدة تصفيات أولى وثانية وثالثة ورابعة حتى تأهلنا إلى دوري الدرجة الأولى، حيث قدمنا مستويات كبيرة كانت محط إشادة الجميع، واستطعت أن أحقق مستوى مميز تجسد بإحرازي لقب الهداف، وأحرزنا لقب دوري الدرجة الأولى مناصفة مع نادي الجيش العراقي في الموسم ١٩٩٦/١٩٩٧، لنصعد بعدها إلى الدوري الممتاز في لحظة تاريخية جسدت جهودنا وإصرارنا ومثابرتنا. * هداف بـ 35 هدفاً س: ماذا يعني لك لقب هداف دوري الدرجة الثانية؟ ج: أحرزت 35 هدفاً في موسم ١٩٩٥/١٩٩٦، وحصولي على لقب هداف دوري الدرجة الثانية كان نقطة تحول كبيرة في تطوير مهاراتي، لأنه أكسبني ثقة كبيرة وشجعني على صقل قدراتي أكثر. كان هذا الإنجاز نتيجة جهد فريق كامل، فقد تعلمت كيف أمتلك ثقافة التسجيل وأستغل أنصاف الفرص، وأدركت أهمية التوازن بين العمل الفردي والعمل الجماعي في صناعة النجاحات، مما مهد الطريق لاحقاً لتحقيق مستويات أكبر والتألق في دوري الدرجة الأولى والممتاز. * سر التفوق داخل منطقة الجزاء س: ما الذي ميزك كمهاجم؟ ج: تميزت بقدرات متعددة جعلتني لاعباً فعالاً داخل الملعب، بدءاً من تمركزي الذكي داخل منطقة الجزاء والتفوق في الكرات الرأسية، إلى السرعة والتحرك بدون كرة والإحساس العالي بالكرة. كنت مهاجماً صريحاً، أتمركز غالباً على الأطراف لخلق الفرص والتسجيل، مع ممارسة ضغط مستمر على دفاع الفريق الخصم داخل ملعبه، مستغلاً أخطاءهم واستخلص الكرات لتسجيل أهداف مهمة وحاسمة، مما جعلني إضافة قوية لأي فريق أشارك معه. ثالثاً: مواجهات الكبار… وأغلى الأهداف * أمام عمالقة الدوري س: لعبت أمام أندية جماهيرية كبيرة، كيف كانت تلك المواجهات؟ ج: واجهت خلال مسيرتي فرقاً قوية مثل نادي الزوراء، القوة الجوية العراقي، نادي الشرطة العراقي، نادي الطلبة العراقي، نادي النجف، ونادي الميناء. كانت المنافسة شديدة للغاية بسبب وجود مدافعين يمتلكون مهارات عالية وبنية جسمانية قوية، مثل راضي شنيشل وسمير كاظم وخالد محمد صبار، ومن نادي الميناء موسى فياض وماهر حبيب. وتميزت خلال هذه المباريات بقدرتي على الاحتكاك والمنافسة معهم، واستغلال أخطائهم لاستخلاص الكرات والتغلب عليهم، ما جعل كل مواجهة فرصة لإظهار مهاراتي كمهاجم حاسم. * في مرمى حراس المنتخب س: سجلت في مرمى حراس كبار، من أبرزهم؟ ج: في فترة التسعينيات وبداية الألفية، واجهت حراس مرمى كبار وفرق جماهيرية كبيرة، واستطعت تسجيل أهداف على عدد من حراس المنتخب الوطني والفرق الجماهيرية مثل أحمد علي وعماد هاشم وجليل زيدان وبشار عبد الجليل وإياد خضير وغيرهم، مما عزز من خبرتي وجعلني لاعباً حاسماً في المباريات الصعبة. س : من هم افضل المدربين الذين اشرفوا على تدريبك ؟ ج: على صعيد التدريب، فقد أشرف على تدريبي خلال مسيرتي الكروية العديد من المدربين المتميزين من محافظة ميسان وخارجها، ومن أبرزهم: المرحوم مهدي جاسم، عمار رسن، المرحوم زكي طارش، المرحوم الدكتور كمال ياسين، كريم جاسم، إبراهيم شاكر، عادل خضير، حسين لعيبي، رحيم كريم، هادي مطنش، المرحوم عمو بابا، المرحوم ناطق هاشم، شاكر محمود، ثائر جسام، ناجح حمود، وعبد الغني شهد. كل هؤلاء المدربين ساهموا في تطوير مهاراتي وصقل قدراتي أثناء تواجدي في أندية ميسان، والقوة الجوية، والسماوة، والنجف، وكان لهم دور بارز في بناء مستواي الفني والبدني كلاعب . س: ما هي اهم محطاتك الاحترافية؟ ج: بعد مسيرة حافلة بالعطاء مع نادي نادي ميسان الرياضي، تطورت مستوياتي بشكل ملحوظ، ما أتاح لي فرصة الاحتراف واللعب مع أندية أخرى بارزة. بدأت الاحتراف مع القوة الجوية العراقي في موسم ١٩٩٩/٢٠٠٠، ثم انتقلت إلى نادي السماوة في موسم ٢٠٠١/٢٠٠٢، وبعدها لعبت مع نادي النجف في موسم ٢٠٠٢/٢٠٠٣. لاحقاً، عدت للعب مع نادي ميسان في موسم ٢٠٠٣/٢٠٠٤، حيث ساهمت مع زملائي في التأهل إلى الدوري الممتاز، مؤكداً من خلال هذه التجارب تطور مستواي الفني والبدني وإمكانياتي كلاعب محترف قادر على المنافسة على أعلى المستويات. * أغلى اللحظات س: ما أغلى أهدافك؟ ج: أحد أجمل لحظات مسيرتي كانت تسجيل أهداف حاسمة في مباريات مهمة، مثل هدفي في مرمى نادي الشرطة العراقي على ملعبهم عندما كانوا متصدرين للدوري، وفزنا 2-1، وكان هذا الهدف الأغلى في موسم ١٩٩٧/١٩٩٨. كما سجلت هدف التعادل في مرمى القوة الجوية العراقي على ملعب الشعب، وهدفي أمام نادي الميناء عندما كان ينافس على المراكز الأربعة الأولى في نفس الموسم. وأعتز أيضاً بتسجيل “هاتريك” في مرمى نادي دهوك، بالإضافة إلى أسرع هدف في الدوري الممتاز بعد 16 ثانية فقط، وكل هذه اللحظات شكلت فخراً كبيراً في مسيرتي وأكدت قدرتي على التسجيل في المواقف الصعبة والحاسمة. رابعاً: بين جيل الأمس واليوم س: كيف ترى الفارق بين جيلكم والجيل الحالي؟ ج: جيلنا كان يمتاز بالقوة البدنية والمهارة وروح الفوز، إضافة إلى ثقافة التسجيل حتى من أنصاف الفرص، رغم قلة الإمكانيات والبنية التحتية البسيطة التي كنا نلعب بها. أما الجيل الحالي، فالإمكانيات متوفرة بشكل أكبر من ملاعب حديثة وتجهيزات متقدمة وعقود احترافية، لكن بعض الصفات القتالية والإصرار على الفوز أصبحت أقل حضوراً. مع ذلك، يمكن للجيل الحالي أن يحقق إنجازات أكبر إذا تمكن من الجمع بين الإمكانيات الحديثة وروح الجيل السابق المليئة بالعزيمة والموهبة الفطرية. خامساً: رسائل من القلب * إلى لاعبي نفط ميسان وميسان س: ما رسالتك للاعبين اليوم؟ ج: أنتم لا تمثلون أنفسكم فقط، بل تمثلون تاريخ مدينة وجماهير وفية. وأود أن أؤكد على ثلاث نقاط مهمة لتكونوا دائماً عند حسن الظن: أولاً، الانضباط والأخلاق يجب أن تكونا دائماً في المقدمة، فهي أساس شخصية اللاعب المحترف. ثانياً، الاجتهاد اليومي، لأن الموهبة وحدها لا تكفي لتحقيق النجاح والتفوق. ثالثاً، العمل الجماعي، فكل إنجاز كبير لا يتحقق إلا بروح الفريق الواحد. تذكروا دائماً أن كل هدف وكل مباراة هي فرصة لإظهار قدراتكم وإبراز اسم ناديكم بكل فخر واعتزاز. * إلى جماهير ميسان س: ماذا تقول لجماهير ميسان؟ ج: أقول لكم شكراً من القلب. دعمكم كان دائماً وساماً أعتز به أكثر من أي هدف سجلته. كنتم السند في لحظات الفوز والقوة في أوقات التعب، وهتافاتكم وتشجيعكم المستمر منحني الثقة والإصرار للقتال داخل الملعب وتقديم أفضل ما لدي في كل مباراة. أنتم سر كل فوز وطريق كل نجاح، ووجودكم دائماً في المدرجات هو ما يجعلنا نلعب بعزيمة وروح لا تنكسر. * لقب “سكوبي” س: ماذا يعني لك لقبك؟ ج: “سكوبي” هو اللقب الذي أطلقته عليّ عائلتي منذ الطفولة، وظل ملازماً لي طوال حياتي، حتى أصبح يعرفني به الجميع في عالم كرة القدم. هذا الاسم ليس مجرد لقب، بل هو جزء من هويتي وشخصيتي الرياضية، ويحمل ذكريات الطفولة والشغف الأول بكرة القدم، لذلك يظل عزيزاً على قلبي ويشكل رابطاً دائماً بيني وبين بداياتي وبين كل من تابع مسيرتي الكروية. * تجربة فريدة في ثلاث ألعاب س: لعبت في الدوري الممتاز بثلاث ألعاب فرقية ؟ ج: نعم، لعبت في الدوري الممتاز في ثلاث رياضات مختلفة: كرة القدم، كرة السلة، وكرة اليد، وهي تجربة أعتز بها كثيراً. وشاركني زميلي ميثم عبد محمد هذه الرحلة الرياضية المميزة، كما أن شقيقي حيدر إبراهيم لعب أيضاً لنادي ميسان في الدوري الممتاز بكرة القدم وكرة اليد، ما يعكس شغف عائلتنا بالرياضة والتزامنا بالتميز في الملاعب. ختاماً،تمثل مسيرة إيهاب إبراهيم “سكوبي” صفحة مشرقة في تاريخ كرة القدم الميسانية، فهي قصة لاعب صنع اسمه بالاجتهاد والإصرار والروح القتالية في زمنٍ كانت فيه الظروف صعبة، لكن الطموح أكبر. لم تكن أهدافه مجرد أرقام، بل كانت لحظات فخر لجماهير مدينة بأكملها. اليوم، ومع تطور الإمكانيات وتوفر الدعم، تبقى رسالة هذا الجيل واضحة: النجاح لا يُصنع بالمواهب وحدها، بل بالانضباط والعمل الجماعي وروح القتال حتى الدقيقة الأخيرة. وإذا كان جيل التسعينيات قد ترك إرثاً من العطاء رغم قلة الموارد، فإن الجيل الحالي مدعوٌّ لأن يسير على النهج ذاته، وأن يجمع بين تطور الحاضر وأصالة الماضي، ليكتب فصلاً جديداً من المجد في تاريخ أندية ميسان والكرة العراقية.
|