الباحثة أمل حمادي عبدالله الأحمدي هل يمكن للمدن أن تُصاب بالزهايمر؟ يبدو أن مدينتي فعلت، لقد نسيت تماماً ذلك الطيف الذي كان يمنحها هويتها، نسيت «الأزرق». اليوم يسود الرمادي الطاغي، لون الإسمنت الذي لا يتنفس، واصفرار العشب الذي استسلم مبكراً لسطوة الجفاف. حين تختنق المدن هي لا تسعل دخاناً فقط ، بل تشحبُ ألوانها وتفقد بريقها، ليصبح غياب «الأزرق» من أفقنا بمثابة «نفيٍ لوني» تتحول معه المدينة إلى كتلة صماء من خرسانة تخزن الحرارة ولا تمنح الظل، حتى غدت السماء والماء يبهتان مع كل يوم جديد . هذا العنوان ليس مجرد تصوير شعري، بل هو انعكاس لما تعانيه المدن من أزمة بيئية ملموسة، حيث تاهت ملامحنا خلف جدران الصمت البيئي، وتلاشت قدرتنا على تذكّر الوجه الحقيقي لمدننا قبل أن يغزوها الرماد . ويبقى السؤال الكامن في أعماقنا، هل تستطيع الأرض مسامحتنا؟ إن الفلسفة البيئية تخبرنا أن الطبيعة لا تنتقم، لكنها تختل حين يُنتهك توازنها بلا مبالاة. نحن لم نستنزف الماء فحسب، بل استنزفنا «صبر الطين» وقدرة النهر على العطاء. الأرض لا تطلب اعتذارات شفهية، بل تطلب أن نتوقف عن معاملتها كمخزن للموارد، ونبدأ برؤيتها ككيان حي يتألم ويشحب تماماً كما نفعل نحن.
إن علاج هذا الزهايمر البيئي يبدأ في التفاتةٍ نحو الاستدامة الشاملة إنها خطوة وجودية لا يقبل التأجيل، تبدأ بقطع دابر الأدخنة عبر استبدال المولدات والمحرقات المتهالكة بأنظمة طاقة نظيفة، وإخضاع المصانع لرقابة تقنية تُصفر انبعاثاتها الكبريتية وتُنهي حقبة الزفير السام. إننا بحاجة إلى ثورة تشجير تكتسح الرمادي وتحول كل زاوية ميتة إلى رئة خضراء، يجب اعتماد إدارة ذكية للنفايات تحولها من عبء يُحرق إلى مورد يُعاد تدويره، ومنجم للطاقة يمنع تلوث التربة، أما شريان حياتنا النهر فيجب أن يُحمى بميثاق يمنع طعنه بالمخلفات، ويتبنى ترشيداً صارماً يقدس كل قطرة ماء، لنعيد هيكلة الواقع البيئي لمدننا كمنظومة حية مستدامة تتنفس بانسجام مع الطبيعة، وتستعيد حقها الفطري في «الأزرق» الذي سرق منها . إن التوعية البيئية لا تُصنع بخطاب عابر ولا تولد من ملصق على جدار، أنها يقظة ضمير تعيد للإنسان وعيه بمكانه الحقيقي في شبكة الحياة، وتجعلنا ندرك أن كل فعل صغير، كإلقاء البلاستيك في الشارع ، أو هدر قطرة ماء، أو إهمال في حماية شجرة، هو جزء من النسيان الذي يفقد مدينتنا لونها الأزرق. إنها تحوّل داخلي في رؤيتنا للعالم، يبدأ حين يتحول العلم إلى سلوك، وتصبح الاستدامة ثقافة عامة لا رفاهاً نخبوياً. الجامعات، المدارس، الإعلام، وصنّاع القرار، جميعهم شركاء في صناعة وعي يرى في حماية البيئة حماية للمدينة وأرواح سكانها، ويعيد لمدينتنا قدرتها على التنفس، ولأرواحنا قدرتها على الارتواء. مدينتي لم ولن تلبس الرمادي للأبد، هي فقط ترتقبُ «صحوةً بيئية» ترمم بريقها المفقود، إنني كباحثة على يقين أننا سنستعيد «الأزرق» لا كترفٍ جمالي فقط، بل كجوهرةٍ تليق ببلاد الرافدين. إن استعادة هذا اللون هي فعل مصالحةٍ مع الحياة، فمتى ما استردّت مدننا حقها الفطري في التنفس، سيعود الأزرق ليغمر الأفق والروح معًا . |