قاسم الغراوي في كل مرة تلجأ فيها الحكومات إلى فرض ضرائب ورسوم جديدة تحت عناوين “الإصلاح” أو “تعظيم الإيرادات”، تتكشف حقيقة ثابتة: أسهل طريق هو جيب المواطن، وأصعبه هو المساس ببنية الامتيازات السياسية. الاحتجاجات الأخيرة والقادمة ليست حالة طارئة ولا مزاجاً شعبوياً، بل ردّ فعل طبيعي على سياسات تمسّ القدرة الشرائية للطبقات الهشة والمتقاعدين وذوي الدخل المحدود، وهم الغالبية الصامتة التي يُطلب منها دائمًا أن “تتحمّل”. المشكلة لا تكمن في مبدأ تعظيم الواردات بحد ذاته، بل في الطريقة التي تستخدمها الحكومة من جيوب المواطنين . فالحكومة، بدل أن تبدأ من الأعلى، اختارت أن تضغط على الأسفل. بدل أن تراجع رواتب الرئاسات والدرجات الخاصة، ذهبت إلى زيادة الجبايات. بدل أن تغلق أبواب الهدر والفساد، فتحت أبواباً جديدة للرسوم. كيف يمكن إقناع المواطن بالتقشف، بينما ما زالت: 1- رواتب الرئاسات والوزراء والنواب بمستويات فلكية؟ 2- الامتيازات والنثريات والحمايات وأساطيل السيارات قائمة؟ 3- تقاعد المسؤولين يفوق أضعاف ما يتقاضاه موظف خدم الدولة اكثر من ثلاثين عاماً . 4- المستشارون يتكاثرون دون أثر واضح؟5- المشاريع الوهمية تبتلع المليارات بلا محاسبة؟ 6-المغالاة في كلف المشاريع تُمرَّر كأمر اعتيادي؟ 7- رواتب فضائية ومتعددة تُستنزف بها الخزينة؟ إن العدالة المالية لا تُقاس بعدد الضرائب المفروضة، بل بعدالة توزيع الأعباء. ولا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي حقيقي في ظل: 1- غياب قانون خدمة مدنية يوحّد المخصصات، 2- استمرار هدر الموارد خارج الأتمتة والرقابة، 3- تضخم البعثات الدبلوماسية والإيفادات غير الضرورية، 4- ومنح الأراضي والعقارات تحت لافتة الاستثمار دون مردود فعلي على الموازنة. الدولة التي تطلب من مواطنيها شدّ الأحزمة، مطالَبة أولاً أن تشدّ أحزمة سلطتها. فلا يمكن أن يعيش البعض بتخمة، فيما تُطالَب الأغلبية بالصبر على العوز. ولا يمكن أن تُقنع الناس بالتضحيات، بينما الامتيازات مصانة، والهدر محمي، والمحاسبة غائبة. إن أي سياسة مالية لا تنطلق من تقليص امتيازات القمة، ومحاربة الفساد الحقيقي، وإغلاق منافذ النزف الكبرى، ستبقى سياسة تُراكم الغضب لا الإيرادات، وتُضعف الثقة لا العجز فقط. والسؤال الذي يطرحه الشارع اليوم ليس معقدًا: هل تريد الحكومة إصلاحاً حقيقياً… أم مجرد تمويل سريع على حساب من لا يملك إلا راتبه؟ |