الدكتورة غدير سلام عارف ليس كل حبٍّ يُقاس بالصوت، ولا كل انتماءٍ يُترجم بالطقوس الظاهرة. فثمّة عشـقٌ أعمق، صامت، لكنه أكثر صدقًا؛ عشـقٌ يتحوّل إلى موقف، وإلى وعيٍ أخلاقي، وإلى اختيارٍ يومي بين الحق والباطل. من هنا، لا يُقرأ الإمام الحسين بوصفه رمزًا للبكاء وحده، بل بوصفه مشروعًا إنسانيًا متكاملًا، وثورة قيمٍ ما زالت تتجدّد في ضمير كل من يرفض الذل، ويؤمن بأن الحرية مسؤولية، وأن الانتماء الحقيقي يُقاس بالسلوك لا بالمظاهر. إمامنا_الرؤوف… السلام عليك، أما بعد: إنّ عشقي لك، يا حسين، ليس كعشق الجميع، ولا يشبه ما اعتاده الناس من صور الحب الظاهرة. فأنا لا أُجيد التعبير عن انتمائي لك بالسيف ولا بالسلاسل، ولا أرفع صوتي عبر مكبرات الصوت مرددةً القصائد، لا تقليلًا من شأنها، ولكن لأن طريقتي في حبك تسلك طريقًا آخر… طريق المعنى. عشقي لك هو عشقي للمبادئ التي قامت عليها ثورتك؛ ثورة التحرر من الخوف، ورفض طاعة الشر حتى حين يصبح هو الطريق الذي يسير عليه الجميع. علّمتني أن الكثرة لا تصنع الحق، وأن الوقوف وحيدًا مع الحقيقة أشرف من السير مع الباطل مطمئنًا. وعشقي لك هو عشقي لأخلاقك المحمدية؛ أؤمن أن من يدّعي حبك ثم يكذب، أو يغتاب، أو يظلم، أو يكفّر الآخر باسم المقدس، لم يفهمك بعد. فأنت امتدادٌ لرسالة جَدّك، رسالة الصدق، والرحمة، وصون كرامة الإنسان، أيًّا كان. وعشقي لك هو عشقي للحرية التي نطقتَ بها في عبارتك الخالدة: «هيهات منّا الذلة». هي ليست شعارًا يُرفع، بل موقفًا يُعاش. لذلك لا أنتمي لحزبٍ ولا أذوب في منظمةٍ تصادر عقلي، ولا أُساوم على الحق مهما كان الثمن، ولا أُبرّر الباطل حتى لو جاءني متزيّنًا بقربى الدم، أو باسم الأب والأم. إمامنا الرؤوف، لقد علّمتنا أن الولاء الحقيقي ليس في الشكل، بل في الجوهر، وأن نصرة الحسين تبدأ من رفض الظلم اليومي، من كلمة حق، من موقف شجاع، من ضميرٍ لا يُشترى. ولو كان الله يريد أن يأخذنا إلى جهنم، لما مَنَّ علينا بك… لما جعل اسمك طريقًا للوعي، ولا ذكراك ميزانًا نزن به أنفسنا قبل أن نزن به الآخرين. السلام عليك، وعلى ثورتك التي ما زالت تعلّمنا كيف نكون أحرارًا… دون ضجيج. وختاماً، وهكذا يبقى الحسين، لا ذكرى عابرة ولا طقسًا موسميًا، بل ميزانًا نعود إليه كلما التبس علينا الطريق. ويبقى سؤالًا أخلاقيًا مفتوحًا: أين نقف حين يتزيّن الباطل، وحين يُطلب منّا الصمت باسم الحكمة أو الخوف؟ فالحسين لم يطلب منّا أن نبكيه بقدر ما طلب أن نفهمه، وأن نختاره موقفًا في تفاصيل حياتنا، وصدقًا في أقوالنا، وحريةً في قراراتنا. ومن جعل الحسين طريقه، لن يضلّ، لأن طريق الحسين يبدأ من الكرامة… وينتهي عند الله. |