م. د صدام فليح حسن / جامعة سامراء ألقت الحرب الأهلية الثانية في السودان، الممتدة منذ عام 1983 حتى مطلع عام 2005، بظلال ثقيلة على مسارات التنمية والاستقرار، ولا تزال تداعياتها حاضرة في الواقع الاجتماعي والاقتصادي حتى اليوم. فقد أفرزت هذه الحرب أضرارًا عميقة تجاوزت البعد العسكري لتصيب بنية الدولة ومقوماتها التنموية في الصميم. على مستوى الخسائر البشرية، تشير تقارير لجنة بحث آثار الحرب الدائرة المنبثقة عن مؤتمر الحوار الوطني حول قضايا الإسلام إلى أرقام صادمة، إذ بلغ عدد القتلى من القوات المسلحة وقوات الحركة والأطراف الأخرى بين عامي 1984 و1989 أكثر من أربعة وثلاثين ألف قتيل، فضلاً عن مئات الآلاف من الضحايا نتيجة المجاعة والأمراض المرتبطة بالحرب، والذين بلغ عددهم في عام 1988 وحده نحو مئتين وخمسة وتسعين ألف شخص، ما يعكس حجم الكلفة الإنسانية الباهظة التي تكبدها المجتمع السوداني. أما على الصعيد الاقتصادي، فقد طالت آثار الحرب مختلف القطاعات الإنتاجية. في المجال الزراعي، توقفت مشاريع تنموية مهمة مثل مشروع إنتاج الأرز في منطقة أويل، ومشروع إنتاج الشاي في الإقليم الاستوائي، إلى جانب تعثر مشروع الألبان في بحر الغزال نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية وهجرة الخبرات الأجنبية. كذلك تعطلت مشاريع الإعاشة الزراعية في الأقاليم الجنوبية رغم اكتمال بنيتها الأساسية، وتوقفت مشاريع الزراعة الآلية التي أُنشئت لزيادة إنتاج الذرة والسمسم، الأمر الذي انعكس سلبًا على الأمن الغذائي والدخل القومي. وامتد الضرر إلى أقاليم أخرى خارج نطاق المواجهات المباشرة، مثل جنوب كردفان، إذ توقف تنفيذ عدد من المشروعات الزراعية التنموية، من بينها مشروع التنمية الريفية في جبال النوبة الممول من السوق الأوروبية المشتركة بكلفة مالية كبيرة، ما أسهم في تعميق الفجوة التنموية بين الأقاليم. وفي القطاع الصناعي، شهدت البلاد توقف العديد من المشاريع، من بينها مصنع تعليب الفاكهة والخضروات في مدينة واو، ومشروع سكر ملوط في إقليم أعالي النيل، الأمر الذي أدى إلى فقدان كميات كبيرة من الإنتاج المحلي، ولاسيما في مجال السكر الذي خسر السودان بسببه أكثر من مئة وعشرة آلاف طن كان بالإمكان إنتاجها منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي. وفي مجال التعدين والتنقيب عن النفط، تعطلت برامج المسح الجيولوجي واكتشاف الذهب في عدد من المناطق، إضافة إلى توقف أعمال شركات النفط الحاصلة على تراخيص التنقيب بسبب التدهور الأمني، ما حرم البلاد من الاستفادة من موارد نفطية مكتشفة، وقدرت الخسائر في هذا القطاع بنحو ثلاثة مليارات دولار وفق تقديرات رسمية. كذلك توقف العمل في مشروع قناة جونقلي، أحد أهم المشاريع الحيوية ذات البعد الاقتصادي والبيئي. ولم تسلم الثروة الحيوانية من تداعيات الحرب، إذ فُقدت أعداد هائلة من الماشية قدرت بنحو ستة ملايين وستمئة ألف رأس، ما أثر بشكل مباشر على معيشة السكان في الأقاليم الريفية. وعلى مستوى الإنفاق العام، ارتفعت النفقات العسكرية والدعم المركزي للأقاليم الجنوبية إلى مستويات عالية، إذ سجلت المصروفات الطارئة المرتبطة بالحرب أكثر من مئتين وتسعة وعشرين مليون جنيه سوداني بين عامي 1983 و1989، مع تصاعد مستمر في كلفة الحرب عامًا بعد آخر. في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن الحرب الأهلية الثانية لم تكن مجرد صراع مسلح محدود الأثر، بل أزمة شاملة أعاقت التنمية، وأضعفت البنية الاقتصادية، وعمقت الاختلالات الاجتماعية، ما يضع إعادة الإعمار والتنمية المتوازنة في صدارة التحديات التي واجهها السودان ولا يزال يسعى لتجاوزها. |