محمد عبد الجبار الشبوط لم تعد السيادة في عالم اليوم مفهوماً بسيطاً يمكن اختزاله في صورة الحدود المغلقة أو القرار المنعزل عن البيئة الخارجية، لأن الدولة المعاصرة تعيش داخل شبكة كثيفة من الترابطات الاقتصادية والمالية والأمنية والتكنولوجية تجعل كل قرار داخلي ذا امتدادات خارجية، وكل حدث خارجي قابلاً لأن ينعكس في الداخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وبذلك انتقل معنى السيادة من كونه “قدرة على العزل” إلى كونه “قدرة على الإدارة الذكية للتشابك”. في التاريخ الكلاسيكي للدولة كانت السيادة تُفهم بوصفها سلطة عليا لا تعلوها سلطة داخل الإقليم، وكان التحدي الأساسي هو منع التدخل العسكري أو السياسي المباشر من الخارج، أما اليوم فإن التحدي لم يعد مقتصراً على الدبابات أو الاحتلال، بل أصبح يتمثل في منظومات مترابطة من المصالح والقيود؛ النظام المالي العالمي، سلاسل الطاقة، شبكات التكنولوجيا، الاتفاقيات الأمنية، الأسواق، العقوبات، الرأي العام الدولي، وكلها أدوات تأثير تتجاوز الشكل التقليدي للتدخل، لكنها لا تقل عنه أثراً. في هذا السياق يصبح التمسك بالسيادة عبر الخطاب وحده وهماً سياسياً، لأن السيادة لا تُحمى بالشعارات بل ببناء قدرة داخلية تجعل الدولة شريكاً لا تابعاً، وقادراً على التفاوض لا متلقياً للإملاءات. الدولة الضعيفة مؤسسياً، المنقسمة اجتماعياً، المعتمدة اقتصادياً على مصدر واحد، والمنخرطة في صراعات داخلية مفتوحة، تجد نفسها موضوعاً لتأثير الخارج شاءت أم أبت، بينما الدولة التي تملك مؤسسات مستقرة، واقتصاداً متنوعاً، ونظاماً قانونياً فاعلاً، ونخبة سياسية تدير الخلافات ضمن قواعد، تستطيع تحويل التشابك الدولي من مصدر تهديد إلى مجال فرص. السيادة في عصر التشابك لا تعني الانسحاب من العالم، بل تعني الدخول إليه من موقع الندية النسبية، وهذا يقتضي وعياً بأن الاستقلال الحقيقي ليس رفض العلاقات، بل القدرة على تنويعها وعدم الارتهان لطرف واحد، والقدرة على الموازنة بين القوى، وحماية المصلحة الوطنية عبر شبكة علاقات متوازنة لا عبر قطيعة شاملة أو تبعية كاملة. فالدولة التي تقطع نفسها عن النظام الدولي تخسر أدوات التأثير، والدولة التي تذوب فيه تفقد قدرتها على الاختيار، والسيادة الحديثة تقوم في المسافة الدقيقة بين هذين النقيضين. كما أن السيادة لم تعد شأناً خارجياً فقط، بل أصبحت مسألة داخلية بامتياز، لأن القرار الوطني لا يكون حراً إذا كان أسيراً لانقسامات حادة، أو لفساد بنيوي، أو لاقتصاد ريعي هش، أو لغياب الثقة بين الدولة والمجتمع. في مثل هذه الحالات يصبح الخارج لاعباً في الفراغ الذي يخلقه الضعف الداخلي، لا لأن الخارج قوي فحسب، بل لأن الداخل لم يبنِ مناعة مؤسسية كافية. وهكذا يتبيّن أن إصلاح الإدارة، وترسيخ القانون، وبناء اقتصاد إنتاجي، وتعزيز الثقة المجتمعية، ليست سياسات تنموية فقط، بل سياسات سيادية أيضاً. إن العالم المتشابك يفرض واقعاً لا يمكن تجاهله، لكنه لا يلغي السيادة بل يعيد تعريفها، فالسيادة اليوم هي القدرة على اتخاذ القرار الوطني ضمن شبكة القيود والفرص، بأقل قدر من الارتهان وأكبر قدر من المكاسب، وهي فن إدارة الاعتماد المتبادل لا الهروب منه. وعندما تُفهم السيادة بهذا المعنى، تتحول من شعار دفاعي إلى مشروع بناء طويل المدى، عنوانه دولة قوية بمؤسساتها، واضحة في فلسفتها، متوازنة في علاقاتها، وقادرة على حماية مصالحها لأنها أحسنت تنظيم بيتها الداخلي قبل أن تفاوض العالم الخارجي. |