محمد السوداني بكل هدوء وثقة، لا تولد اللحظات الكبيرة من الصدفة، بل من الجرأة على الرهان الصحيح. وما حدث مع الفتى العراقي ابن الـ 21 ربيعًا ليس حدثًا عابرًا في سوق الانتقالات، بل علامة فارقة في مسار لاعب قرر أن يطرق باب الاحتراف الحقيقي من أوسع أبوابه، حين حطّ الرحال في نادي النصر السعودي، أحد أكبر أندية القارة، وفي غرفة ملابس تضم أسماءً بحجم كريستيانو رونالدو وساديو ماني ونخبة من نجوم كرة القدم العالمية. هذه الخطوة لا تُحسب للاعب وحده، بل تُسجَّل أولًا في رصيد المدرب البرتغالي المخضرم خورخي خيسوس، الذي أثبت مرة أخرى أن كرة القدم لا تُقرأ بالأسماء فقط، بل بالموهبة القابلة للنمو، وبالعين الخبيرة التي تعرف متى تراهن، وعلى من تراهن. اختيار لاعب شاب من العراق، في هذا التوقيت وبهذا الحجم، دليل على رؤية فنية ثاقبة تؤمن بأن المستقبل يُصنع لا يُنتظر. أما حيدر عبد الكريم، فقد قدّم برسالته الواضحة جوابًا عمليًا لكل من شكّك: الموهبة العراقية قادرة على المنافسة، وقادرة على الحضور في أعلى المستويات متى ما أُتيحت لها الفرصة، ومتى ما امتلكت الشجاعة للخروج من الإطار المحلي الضيق إلى فضاء الاحتراف الحقيقي. وجوده اليوم بين نجوم عالميين ليس مجاملة ولا مجازفة، بل استحقاق فني ومسؤولية مضاعفة. ما يحتاجه حيدر في هذه المرحلة ليس الضجيج ولا المبالغة، بل العمل، والانضباط، والتطوّر المستمر، والهدوء الذهني. عليه أن يدرك أن الطريق ما زال في بدايته، وأن الاحتراف لا يُقاس بمباراة أو لقطة، بل بقدرة اللاعب على الصبر، والتعلّم، واستثمار التجربة بأقصى درجات الوعي. وفي المقابل، لا يمكن إغفال أصواتٍ نشاز تحاول التقليل من قيمة الصفقة أو من اللاعب نفسه، سواء من بعض المحسوبين على جماهير النصر أو الزوراء، أو من مندسين اعتادوا الوقوف ضد أي نجاح لا يحمل توقيعهم. هؤلاء لا يملكون سوى الكلام، بينما يملك اللاعب فرصة حقيقية لصناعة اسمه بقدميه داخل الملعب، حيث لا صوت يعلو فوق الأداء. ختامًا، ما يحدث اليوم مع حيدر عبد الكريم هو رسالة أمل لكرة القدم العراقية قبل أن يكون إنجازًا فرديًا. رسالة تقول إن الطريق مفتوح، وإن الموهبة إذا وجدت من يؤمن بها، ومن يجتهد لأجلها، قادرة على أن تصل… حتى لو كان الطريق مليئًا بالضجيج والتشكيك. الزمن وحده كفيل بإنصاف المجتهدين، والتاريخ لا يكتب إلا أسماء الذين تجرؤوا على الحلم. |