طه حسن الأركوازي يشهد العالم في هذه المرحلة واحدة من أكثر لحظاته أضطراباً مُنذ نهاية الحرب الباردة ، حيث تتداخل الصراعات العسكرية مع الحروب الاقتصادية والتكنولوجية ، وتتشابك الحسابات الجيوسياسية على نحو يجعل الاستقرار سلعة نادرة لا تملكها إلا الدول القادرة على قراءة التحولات الكبرى بعين واقعية وبراغماتية ، فالصراع القائم بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة ، وروسيا والصين وشركائهما من جهة أخرى ، لم يعد مُجرد تنافس نفوذ ، بل بات أختباراً حقيقياً لمرونة النظام الدولي وقدرته على تجنب الانزلاق نحو مواجهة شاملة . في قلب هذا المشهد ، تبدو أوروبا في حالة أرتباك أستراتيجي واضح ، فالقارة التي بنت أمنها لعقود على المظلة الأميركية ، تجد نفسها اليوم أمام مُعادلة مُعقدة “التزاماتها داخل حلف شمال الأطلسي ، مقابل حاجتها الواقعية إلى الطاقة والأسواق والاستقرار” .؟ تقارير صادرة عن مراكز دراسات أوروبية مرموقة ، مثل “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية” و“معهد الدراسات الأمنية للاتحاد الأوروبي”، تشير إلى أن الانقسام داخل أوروبا ليس سياسياً فقط ، بل أقتصادي وأجتماعي أيضاً ، حيث تختلف أولويات دول الشرق الأوروبي عن دول الغرب والجنوب ، ما يضعف القدرة على بلورة موقف مُوحد أتجاه موسكو وواشنطن في آن واحد . في المقابل ، تعتمد روسيا مُقاربة محسوبة بدقة ، تقوم على توسيع نفوذها الإقليمي من دون الوصول إلى صِدام مُباشر مع حلف الناتو ، فالتجربة الأوكرانية ، كما تشير تحليلات صادرة عن “معهد ستوكهولم لأبحاث السلام” (SIPRI) ، أظهرت أن موسكو تفضل الحروب المحدودة والضغوط المُركبة “العسكرية والاقتصادية والإعلامية” ، بدلاً من المغامرة بمواجهة شاملة قد تكون كُلفتها الاستراتيجية باهظة ، وفي هذا السياق تبقى مناطق مثل “مولدوفا” و”جنوب القوقاز” ضمن دوائر الضغط الروسية ، ولكن ضمن سقوف مدروسة . أما الصين ، فتواصل أنتهاج سياسة الحذر الاستراتيجي ، “فبكين”، وفق تقديرات مراكز أبحاث آسيوية ودولية لا ترى مصلحتها في الانخراط المُباشر في صراع عسكري واسع ، وهي تركز بدلاً من ذلك على بناء قوتها التكنولوجية والاقتصادية على المدى الطويل ، وإدارة تنافسها مع الولايات المتحدة عبر أدوات ناعمة وشبه صلبة ، من التجارة وسلاسل الإمداد إلى النفوذ في المؤسسات الدولية ، هذه المُقاربة تجعل من أحتمالات أندلاع حرب عالمية شاملة أو مواجهة نووية ، سيناريو مُنخفض الاحتمال في المدى المنظور ، رغم خطورة البيئة الدولية . في الشرق الأوسط ، تتعقد الصورة أكثر ، فالمنطقة تعيش على إيقاع توترات مزمنة ، تتغذى من صراعات إقليمية وتدخلات دولية متشابكة ، حيثُ تشير تقارير صادرة عن مراكز بحوث عربية ، مثل “مركز الجزيرة للدراسات” و“مركز الإمارات للسياسات”، إلى أن إعادة الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة لا تعني أنسحاباً بقدر ما تعكس إعادة تموضع ، يهدف إلى حماية المصالح الاستراتيجية ، وإدارة الأزمات من مسافات أقصر ، هذا الواقع يضع دول المنطقة أمام تحديات مُضاعفة ، في ظل هشاشة أقتصادية ومجتمعية مُتراكمة . العراق ، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية والاقتصادية ، يجد نفسه في قلب هذه التحولات ، فالدولة التي ما زالت في طور التعافي من عقود من الأزمات لا تملك ترف الانحياز الحاد أو الدخول في محاور متصارعة ، تجارب دول خرجت من نزاعات طويلة ، مثل “فيتنام” أو “رواندا” ، تُظهر أن بناء الدولة في بيئة دولية مُضطربة يتطلب وضوحاً في الرؤية الوطنية ، وأستثماراً في الاستقرار الداخلي ، وتحييد الخلافات الخارجية قدر الإمكان ، هذه الدول نجحت لأنها قدّمت مصلحة الدولة على حساب الصراعات الإقليمية ، وركّزت على بناء مؤسسات فاعلة واقتصاد منتج وعلاقات متوازنة . في هذا السياق ، يصبح الخطاب السياسي الهادئ ، القائم على الواقعية ، وتغليب المصالح الوطنية ، ضرورة لا ترفاً ، فمراكز الدراسات العراقية بما فيها “المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية”، تؤكد في تقاريرها أن التحدي الأكبر أمام العراق ليس فقط في الضغوط الخارجية ، بل في القدرة على إدارة هذه الضغوط ضمن إطار مؤسسي متماسك ، يُعزز الثقة الداخلية ويمنح الدولة هامش مناورة أوسع في علاقاتها الخارجية .العالم اليوم يقف على صفيح ساخن ، لكن ليس كُل من يقف عليه مضطراً للاحتراق ، الدول التي تمتلك رؤية واضحة ، وتتعامل مع التحولات الدولية بعقل بارد ، قادرة على تحويل المخاطر إلى فرص ، والعراق ، إذا ما أحسن قراءة اللحظة التاريخية ، يمكنه أن يكون جُزءاً من معادلة الاستقرار الإقليمي ، لا ساحة لتصفية الحسابات ، ذلك يتطلب خطاباً سياسياً مسؤولاً ، وسياسات عامة تضع بناء الدولة وتعزيز السيادة والاستقرار في صدارة الأولويات ، بعيداً عن الانفعالات والاصطفافات التي أثبتت التجربة أنها مكلفة وغير منتجة .أخيراً وليس آخراً .. إن المرحلة الراهنة ، بكل تعقيداتها ، تمثل أختباراً حقيقياً للنُخب السياسية وصنّاع القرار : إما إدارة التحديات بمنطق الدولة . أو ترك العراق عرضة لرياح نظام دولي مُضطرب لا يرحم الدول الضعيفة أو المترددة . وفي هذا المفترق يبقى الرهان على الحكمة ، والاتزان ، والتعلم من تجارب الآخرين ، بوصفها الطريق الأقل كلفة والأكثر أمناً نحو المستقبل …! |