قاسم الغراوي لم تعد الحروب الحديثة تبدأ بالقصف والجيوش، بل بتفكيك الوعي وزعزعة الثقة داخل المجتمعات. فالحرب الناعمة باتت المقدّمة الأخطر للحرب الصلبة، حيث تُستخدم الدعاية والإشاعة والإعلام الموجَّه كأدوات لتهيئة الداخل قبل أي تدخل خارجي. اليوم، تعود الولايات المتحدة إلى أسلوبها التقليدي في صناعة الذرائع، فبعد فشل حجج الصواريخ والبرنامج النووي، يتحجّج ترامب بمظاهرات داخل إيران لتبرير التدخل، فيما يواصل الكيان الصهيوني إعداد عدّته عبر أدوات الحرب الناعمة وشبكات العملاء والمرتزقة، بعد خسارته جولة المواجهة السابقة. في هذا السياق، تكتسب كلمات السيد علي خامنئي دلالة عميقة حين استحضر تجربة أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، الذي لم يُهزم في أي حرب عسكرية، لكنه أُعيق حين نُقلت المعركة من السيف إلى الوعي. لقد أدرك خصومه أن هزيمته لا تكون في الميدان، بل بفصله عن الناس عبر التشويه وقلب الحقائق. كان معاوية مشروعَ سلطةٍ يعتمد المال والإعلام وتزييف الرواية، وكان عمرو بن العاص نموذج الحرب النفسية، حين استُخدم الدين لضرب الحق وخلط الأوراق، كما في حادثة رفع المصاحف في صفّين. وهو مشهد يتكرّر اليوم بأدوات أكثر تطوراً: فضائيات، منصات تواصل، مشاهير مأجورون، وخبراء يصنعون رواية واحدة تُقدَّم كحقيقة. كل تخريب يُنسب إلى المقاومة، وكل أزمة تُحمَّل للنظام، وكل عقوبة يفرضها العدو يُقال إن سببها “القيم” أو “المبادئ”. إنها صفّين جديدة، لكن بلا سيوف، بل بإشاعات وأخبار مضللة. إن أخطر ما في الحرب الناعمة أنها تُمهّد الطريق للحرب الصلبة من دون ضجيج، فإذا انهار الوعي سقطت الدول من الداخل. ومن هنا، تبقى معركة الإدراك والوعي خط الدفاع الأول في مواجهة مشاريع العدوان، قبل أن تصل الدبابات والطائرات. {يا حسرةً على العباد ما يأتيهم من رسولٍ إلا كانوا به يستهزئون} اية تختصر المأساة ؛ الاستهزاء بالحق، والتصديق بالباطل، والتواطؤ غير المقصود مع مشاريع العدوان والحروب الظالمة على الاسلام والمسلمين من قبل الاعداء بفعل غياب الوعي والايمان وعدم تصديق الوقائع ورؤية الاحداث بعين واحدة . |