3386 AlmustakbalPaper.net السوداني لماكرون: العراق سيتخذ كل ما يلزم من خطوات تصبّ في مصلحته الوطنية AlmustakbalPaper.net الشمري: تعزيزات أمنية ستصل ميسان لملاحقة العصابات والمطلوبين AlmustakbalPaper.net رئيس الوزراء يوجه بتخصيص أماكن ومساحات نظامية للباعة المتجولين AlmustakbalPaper.net رئيس هيئة المنافذ: سيطرتنا تامة لحماية المنتج الوطني ومنع تهريب المحظورات AlmustakbalPaper.net
الدولة في القرآن: من دولة الهوية إلى دولة القيم
الدولة في القرآن: من دولة الهوية إلى دولة القيم
أضيف بواسـطة
أضف تقييـم
الدكتور ليث شبر
لابد أن أصارحكم أن هذه المقالات الثلاثة ما هي إلا خلاصة بحوث وقراءات امتدت لسنوات طويلة، وما تقرؤونه هنا هو العصارة النهائية المكثفة. ولابد أيضًا أن أصدقكم القول أنني حينما شرعت بكتابة المقال الثالث من هذه الثلاثية شعرت بإلهام خاص دفعني إلى إعادة صياغته أكثر من مرة، ولعل ذلك سببه خطورته لأنه يمس بعض الرؤى التي استقرت مع الزمن حتى غدت ثوابت، ثم تحولت إلى ما يشبه المقدس الذي لا يُسمح بنقده أو الاقتراب منه.
هذه الثلاثية ليست تمرينًا فكريًا عابرًا، بل هي لبنة أساسية في مشروعنا: مشروع الدولة المدنية الذكية السيادية. إننا نؤمن أن القرآن، حين يُقرأ بعقل العصر وروحه، لا يعارض هذا المشروع بل يدعمه، لأنه يجعل من الإنسان قيمة، ومن المجتمع عدلاً، ومن الدولة مسؤولية.
لم يتحدث القرآن أبداً عن دولة إسلامية، ولم يقدم شكلاً سياسياً محدداً للحكم ( إمامة أو خلافة أو ولاية )، ولم يرسم دستوراً جامداً اسمه الدولة الإسلامية بكل أشكالها التي وصلت إلينا ، بل قدّم منظومة قيم عليا تصلح لكل زمان ومكان، فجعل العدل أساساً، والشورى نهجاً، والميثاق عقداً، والعمران هدفاً، والكرامة الإنسانية أصلاً. وهذا الغياب المقصود للنموذج الجاهز لم يكن نقصاً بل كان حكمة، لأنه فتح الباب للبشر أن يبتكروا أشكال دولتهم بما يتناسب مع عصورهم، شرط أن يظلوا أوفياء لتلك القيم الكبرى التي تجعل الدولة إطاراً حضارياً لا أداة قهرية.
وحين نقرأ النص بعين معاصرة ندرك أن الدولة ليست هوية دينية تحتكر الحقيقة، بل هي كيان قيمي يستوعب التعدد ويصون كرامة الإنسان. فالقرآن حين قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، كان يؤسس لمبدأ سيادة القانون، وحين قال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، كان يفتح باب المشاركة والشفافية، وحين قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، كان يرسي فكرة العقد الاجتماعي، وحين قال: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، كان يدعو إلى العمران والإنتاج، وحين قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾، كان يحذر من الفساد والرشوة، وحين قال: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ﴾، كان يؤكد على عدالة التوزيع. كل هذه القيم تؤسس لدولة حديثة عادلة وشفافة وواعية، دون أن تتقيد بشكل سياسي واحد.
لكن التاريخ عرف دولاً قامت على القهر والغلبة، قبل القرآن وبعده وشيدت عمراناً ظاهراً لكنها لم تبن قيماً باقية. فقد وصف القرآن فرعون بقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ﴾، وقال على لسانه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾، فهذه الدولة المستبدة يمكن أن تخلف آثاراً مبهرة، لكنها ستبقى حضارة بلا سمو، تبني الحجر وتُميت الإنسان، وتُشيّد القصور وتُهدم الكرامة، وتعيش حتى ينكسر سيفها أو يذبل سلطانها، لأنها لم تُبن على قيم عليا.
أما الدولة التي يدعو إليها القرآن فهي كيان نابض يعيش في تناغم مع الإنسان والمجتمع والكون، لأن الكون كله قائم على التزامن كما قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، ولأن التاريخ يسير في دورات تداول كما قال: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، ولأن الأمة التي تتوقف عن مواكبة هذا الإيقاع تستبدل بغيرها كما في قوله: ﴿إِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾. فالدولة في التصور القرآني ليست آلة جامدة، بل كائن حي يتناغم مع سنن الوجود، فإذا فقد هذا التناغم سقط، وإذا حافظ عليه استمر. ومن هنا يتضح أن الدولة المدنية الذكية السيادية النابضة التي ندعو إليها ليست خروجاً عن القرآن بل امتداداً لقيمه. فهي مدنية لأنها تحترم حرية الإنسان كما قال: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، وهي ذكية لأنها تبني مؤسساتها على العلم والمعرفة كما قال يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، وهي سيادية لأنها تستمد شرعيتها من كرامة الإنسان كما في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، وهي نابضة لأنها تعيش في إيقاع الزمن كما أقسم الله بالعصر قائلاً: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، فالدولة إذا لم تُدرِك قيمة الزمن خسرت نفسها ومجتمعها وأمتها. وهكذا نفهم أن القرآن لم يُنشئ دولة هوية مغلقة، بل وضع أسس دولة قيم، ولم يفرض شكلاً جامدًا للحكم، بل ترك الباب مفتوحًا للأجيال كي تبتكر نموذجها وفق مقتضيات زمانها ما دامت وفية للعدل والشورى والكرامة والعمران. ومن هنا تكتمل ثلاثية القرآن: الإنسان قيمة، والمجتمع عدل، والدولة مسؤولية نابضة. ولكن هذه الثلاثية ليست خاتمة نظرية، بل هي خارطة طريق لمستقبل مختلف، فإما أن نعيد قراءتها ونحوّلها إلى مشروع حضاري حيّ، فنكون شركاء في صناعة الاستخلاف، وإما أن نبقى أسرى النماذج الجامدة فنكرر دورات الفقد والخسران. 
إن الدولة المدنية الذكية السيادية النابضة التي ندعو إليها ليست خيارًا إضافيًا بين بدائل، بل هي الامتداد الطبيعي لروح النص القرآني، والفرصة الأخيرة لتكون قيم السماء قادرة على أن تصنع أرضًا جديدة للإنسان والمجتمع والدولة.
رابط المحتـوى
http://almustakbalpaper.net/content.php?id=89843
عدد المشـاهدات 50   تاريخ الإضافـة 31/08/2025 - 12:28   آخـر تحديـث 31/08/2025 - 17:12   رقم المحتـوى 89843
محتـويات مشـابهة
مجلس الوزراء يقرر : تسليم النفط المنتج في الحقول داخل الاقليم فوراً إلى شركة تسويق النفط «سومو»
وزير التجارة: العراق يقترب من التحول الكامل إلى النظام الإلكتروني في البطاقة التموينية
‏الأهـوار: مـن انتصـار العـالـم إلى هزيمة الوطن
‏العلاقات الأمريكية العراقية من الأنكفاء إلى التطور والنهوض
الصحاف: إثبات رعوية 25 مهاجراً عراقياً في ليبيا والعمل على إعادتهم طوعاً إلى البلاد

العراق - بغداد - عنوان المستقبل

almustakball@yahoo.com

الإدارة ‎07709670606
الإعلانات 07706942363

جميـع الحقوق محفوظـة © www.AlmustakbalPaper.net 2014 الرئيسية | من نحن | إرسال طلب | خريطة الموقع | إتصل بنا